رحلة مصر والسودان - مهري، محمد - الصفحة ٤٤٢ - «دولة الاخشيد»
فرنك الا انها اندثرت بكرور الايام. و قال ياقوت في كلامه على الاسكندرية يصف المنارة «و أما المنارة فقد رووا لها أخبارا هائلة و ادعوا لها دعاوي عن الصدق عادلة و عن الحق مائلة فهي من باب حدّث عن البحر و لا حرج و اكثرها باطل و تهاويل لا يقبلها الا الجاهل و لقد دخلت الاسكندرية و طفتها فلم أر فيها ما يعجب منه الا عمودا واحدا يعرف الآن بعمود السّواري تجاه باب من ابوابها يعرف بباب الشجرة فانه عظيم جدّا هائل كأنه المنارة العظيمة و هو قطعة واحدة مدوّر منتصب على حجر عظيم كالبيت المربع قطعة واحدة ايضا و على رأس العمود حجر آخر مثل الذي في اسفله فهذا يعجز اهل زماننا عن معالجة مثله في قطعه من مقطعه و جلبه من موضعه ثم نصبه على ذلك الحجر و رفع الآخر الى أعلاه و لو اجتمع عليه اهل الاسكندرية جميعهم فهو يدلّ على شدة حامله و حكمة ناصبيه و عظمة همة الآمر به. اما المنارة ففد شاهدتها في جماعة من العلماء و عاد كل منا متعجبا من تخرّص الرواة و ذلك انما هي بنية مربعة شبيهة بالحصن و الصومعة مثل سائر الابنية و لقد رأيت ركنا من أركانها و قد تهدّم فدهمه الملك الصالح رزيك أو غيره من وزراء المصريين و استجده فكان أحكم و اتقن و احسن من الذي كان قبله و هو ظاهر فيسه كالشامة لان حجارة هذا المستجد احكم و اعظم من القديم و احسن وضعا و رصفا. و اما صفتها التي شاهدتها فانها حصن عال على سنّ جبل مشرف على البحر في طرف جزيرة بارزة في ميناء الاسكندرية بينها و بين البرّ نحو شوط فرس و ليس اليها طريق الا في ماء البحر المالح و بلغني انه يحاض من احد جهاته الماء اليها و المنارة مربعة البناء و لها درجة واسعة يمكن الفارس ان يصعدها بفرسه و قد سقفت الدرج بحجارة طوال مركبة على الحائطين المكتنفي الدرجة فيرتقي الى طبقة عالية يشرف منها على البحر بشرفات محيطة بموضع آخر كأنه حصن آخر مربع يرتقى فيه بدرج أخرى الى موضع آخر يشرف منه على السطح الاول بشرفات أخر و في هذا الموضع قبة كأنها قبة الديدبان و ليس فيها كما يقال غرف كثيرة و مساكن واسعة يضل فيها الجاهل بل الدرجة مستديرة بشيء كالبئر فارغ. زعموا انه مهلك و انه اذا القي فيه الشيء لا يعرف قراره و لم اختبره.
و ذكر ابن زولاق ان طول منارة الاسكندرية مائتا ذراع و ثلاثون ذراعا و انها كانت في وسط البلد و انما الماء طفح على ما حولها فاخربه و بقيت هي لكون مكانها كان مشرفا على غيره. و ذكر ابن الاثير ان رأس المنارة سقط سنة ١٨٠ هجرية بزلزلة عظيمة حدثت بمصر. و لما كانت اراضي البلاد المصرية واطية لا تكاد تنكشف عن بعد ثلاثة فراسخ أقام محمد علي المنارة الحالية العجيبة لتهتدي اليها السفن ليلا. و من آثار الاسكندرية