بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٩ - عدم إجزاء حج غير البالغ عن حجة الإسلام
إن قيل: إذا كان الأمر كذلك فكيف يوجّه ما دلّ على عدم الاجتزاء بالمستحب عن الواجب في بعض الموارد؟
قلت: إذا قام الدليل على عدم الإجزاء كشف ذلك بطريق الإنّ عن اختلاف متعلق الخطابين حقيقة وإن كانا متحدين في الصورة، كما في العديد من الموارد منها نافلة الفجر وفريضته، فإنهما وإن كانتا تشتركان في الصورة إلا أنهما تختلفان في الماهية، والاختلاف بينهما يكون بالعنوان ــ الذي هو أمر قصدي ــ لا بشيء آخر.
وبذلك يظهر أن مقتضى القاعدة فيما هو محل البحث من إتيان الصبي بالحج صحيحاً هو الاجتزاء به عن حجه بعد البلوغ، لأن المنساق من الروايات الدالة على استحباب الحج في حقه هو أن الحج الواجب في حق البالغين هو بعينه يستحب في حق الصبي من دون فرق، فيجري فيه البيان المتقدم المقتضي لعدم انعقاد الإطلاق لدليل وجوب الحج بعد البلوغ ليشمل من أتى به قبل بلوغه.
ولكن لما ثبت بموجب جملة من الروايات ــ كما سيأتي ــ عدم الاجتزاء بحج غير البالغ عن حجّه بعد البلوغ كشف ذلك عن اختلاف متعلقي الخطابين الاستحبابي والوجوبي وأن حجة الإسلام تختلف عن الحج المستحب بالوجه والعنوان وإن اتحدا في الأفعال والتروك، وإلا لما كان مجال للحكم بعدم الإجزاء.
والحاصل أن الفرق بين موردي الصلاة والحج إنما هو من حيث ورود النص بعدم الإجزاء في الثاني دون الأول، وقد نبّه السيد الأستاذ (قدس سره) على ذلك بقوله [١] : (إنه لو بلغ الصبي في أثناء الوقت وقد صلى وقلنا بشرعية عباداته فلا يبعد عدم وجوب الإعادة عليه، باعتبار أن هذا ليس من إجزاء شيء عن شيء لكي يقال بعدم الدليل على إجزاء المستحب عن الواجب، بل صلاة الظهر ــ مثلاً ــ حقيقة واحدة والطبيعة المطلوبة من البالغين هي الطبيعة المطلوبة من غيرهم بعينها، غايته أن الطلب من أحدهما ملوّن بلون الوجوب ومن الآخر بلون
[١] مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:١ ص:٢٨.