بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٧٢ - مدى انسجام المسالك الثلاثة في الوجوب الكفائي مع وجوب الحج كفاية
ولكن هنا مفارقة، وهي أنه قد تقدم أن مقتضى المسلك المذكور هو تعدد الإطاعة في صورة قيام الجميع بالواجب في وقت واحد، وتعدد العصيان مع تخلف الجميع عن أدائه، فتساءل البعض أنه كيف يكون لوجوب واحد أكثر من طاعة أو أكثر من عصيان؟ ومرَّ الجواب عنه.
ولكن يلاحظ أنه في مورد البحث يكون مقتضى المسلك المذكور أن يكون للوجوب الواحد عصيان من شخص وإطاعة من شخص آخر في الوقت نفسه، وذلك فيما إذا قام البعض بأداء العمل وتخلف الباقون فلم يستكمل العدد المطلوب، فإنه لابد من الالتزام بعصيان من تخلف، وأما من قام بالعمل فلا بد من الالتزام بكونه مطيعاً إذ لا يمكن أن يكون عاصياً ــ بما هو واحد ــ كما لا يمكن الالتزام بانتفاء الوجوب عنه، مثل ما تمَّ تصويره على المسلك الأول، لأنه كان قائماً على أساس تقييد الوجوب بعدم امتناع الباقين عن تكميل العدد المطلوب، وهذا القيد لا يتحقق في حق غير الممتنع فينتفي عنه الوجوب بخلاف الممتنع فيثبت في حقه ويعد عاصياً.
ولكن هذا مع تعدد الوجوب كما كان هو مقتضى ذلك المسلك، وأما بناءً على وحدة الوجوب كما هو مبنى المسلك المبحوث عنه فكيف يمكن التقييد بحيث ينتج انتفاء التكليف عن غير الممتنع، وثبوته على الممتنع وسقوطه عنه بالعصيان؟!
هذا فيما يتعلق بصورة وحدة الملاك.
أما في صورة تعدد الملاك فالأنسب بمن يتبنى المسلك المذكور هو الالتزام بتعدد التكليف، لأنه إنما قال بوحدته فيما مرّ من جهة أن الملاك الواحد يقتضي وجوباً واحداً سواء كان ذلك الملاك قائماً بفعل شخص واحد أو بمجموع أفعال عدّة أشخاص. وأما مع فرض تعدد الملاك كما في مثال الحاجة إلى تبليغ مائة شخص ــ كما مرّ ــ فمقتضى ذلك هو تعدد التكليف ويكون ذلك من قبيل ضم وجوب كفائي إلى وجوب كفائي آخر، فتدبر.
هذا فيما يتعلق بتصوير الوجوب الكفائي بناءً على المسلك الثاني.