بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤١٢ - الثاني ما دل على أمر الأولياء بإحجاج صبيانهم
ولذلك تقتضي الحكمة والمصلحة أحياناً توجيه الأوامر إلى الثالث على مرحلتين، حيث يؤمر أولاً من قبل الشخص الأول بالإتيان بفعل ما، فإن امتثل فهو وإلا يأمر الأول الثاني بتوجيه الأمر إليه بالإتيان بذلك الفعل، ليكون مؤثراً في نفسه بما يندمج فيه من الوعيد بالعقوبة المعجلة مثلاً.
ويمكن أن يعدّ من قبيل أمر الثاني إلى الثالث فيما ذكر بعض موارد الأمر بالمعروف الثابت في الشريعة المقدسة، فإن الله تعالى قد أوجب على العباد أداء الصلوات الخمس مثلاً، ومنح أيضاً لكل مؤمن ولاية الأمر بها، وليس المقصود به الأمر الإرشادي، فإن مورده الجاهل ومن بحكمه، بل المقصود به ما يشمل الأمر المولوي المتضمن للوعيد بالعقوبة على المخالفة، فإذا أحرز من الشخص عزمه على عدم أداء الصلاة الفريضة يحق للغير أمره بأدائها أمراً مولوياً يشتمل على الوعيد باتخاذ بعض الإجراءات العقابية بحقه على تقدير عدم استجابته، بدءاً من التجهم في وجهه، وإبداء التذمر منه، ومقاطعته، ونحو ذلك [١] ، إلى أن يصل إلى جملة من العقوبات البدنية، كفرك الإذن، والضرب، بل والحبس على الرأي المشهور عند الفقهاء (رضوان الله عليهم) .
فيلاحظ أن الله تبارك وتعالى وإن أمر الناس بأداء الصلاة ولكنه منح في الوقت نفسه كل مؤمن الولاية في أمر أخيه المؤمن بأدائها، فيما إذا ظهر منه ما يحرز به عزمه على تركها، والأمر الثاني قد يكون مؤثراً في نفس المكلف فيلتزم بأداء الصلاة وإن لم يكن الأمر الأول كذلك، فتأمل.
وكيفما كان فقد ظهر مما تقدم أن في النحو الثاني المبحوث عنه من أنحاء الأمر بالأمر بالفعل لا يجب على الثالث الإتيان بذلك الفعل قبل صدور الأمر به من الثاني، إلا إذا علم بأن الأول قد أوجبه عليه بنفسه وإن طلب من الثاني
[١] فإنه لا يعتبر في العقوبة التي يندمج الوعيد بها في الأمر المولوي الإلزامي أن تكون عقوبة بدنية أو مالية مثلاً بل يكفي كل ما يسعى المكلف إلى تفاديه والاجتناب عنه ويجده أشد عليه من الإتيان بالمأمور به فيكون الوعيد به رادعاً له عن المخالفة، وهذا ما يختلف باختلاف الأشخاص والحالات كما لا يخفى.