البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨ - ذكر عمره عليه الصلاة و السلام وقت بعثته و تاريخها
و قال أبو الحسن التهامي، فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم:
عدّ ذا الفقر ميّتا و كساه* * * كفنا باليا و مأواه قبرا
و قال الخطابي: الصواب (و تكسب المعدم) أي تبذل اليه أو يكون تلبس العدم بعطية مالا يعيش به. و اختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بالمعدوم هاهنا المال المعطى، أي يعطى المال لمن هو عادمه. و من قال إن المراد إنك تكسب باتجارك المال المعدوم، أو النفيس القليل النظير، فقد أبعد النجعة و أغرق في النزع و تكلف ما ليس له به علم، فان مثل هذا لا يمدح به غالبا، و قد ضعّف هذا القول عياض و النووي و غيرهما و اللَّه أعلم.
و تقرى الضيف- أي تكرمه في تقديم قراه، و إحسان مأواه. و تعين على نوائب الحق و يروى الخير، أي إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها، و قمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش، و قوله: ثم أخذته فانطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل. و كان شيخا كبيرا قد عمى. و قد قدّمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل (رحمه اللَّه). و انه كان ممن تنصّر في الجاهلية ففارقهم و ارتحل إلى الشام، هو و زيد بن عمرو و عثمان بن الحويرث، و عبيد اللَّه بن جحش فتنصّروا كلهم، لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق، إلّا زيد بن عمرو بن نفيل فإنه رأى فيه دخلا و تخبيطا و تبديلا و تحريفا و تأويلا. فأبت فطرته الدخول فيه أيضا، و بشروه الأحبار و الرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه و اقترب أوانه، فرجع يتطلب ذلك، و استمر على فطرته و توحيده. لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية. و أدركها ورقة بن نوفل و كان يتوسّمها في رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما قدمنا بما كانت خديجة تنعته له و تصفه له، و ما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة و ما ظهر عليه من الدلائل و الآيات، و لهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و جاءت به اليه فوقفت به عليه. و قالت: ابن عم اسمع من ابن أخيك، فلما قص عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبر ما رأى قال ورقة: سبّوح سبّوح، هذا الناموس الّذي أنزل على موسى، و لم يذكر عيسى و إن كان متأخرا بعد موسى، لأنه كانت شريعته متممة و مكملة لشريعة موسى (عليهما السلام)، و نسخت بعضها على الصحيح من قول العلماء. كما قال وَ لِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ. و قول ورقة هذا كما قالت الجن: يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَ إِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. ثم
قال ورقة: يا ليتني فيها جذعا. أي ياليتنى أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان و العلم النافع و العمل الصالح، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك يعنى حتى أخرج معك و أنصرك؟ فعندها قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أو مخرجيّ هم؟»
قال السهيليّ و انما قال ذلك، لأن فراق الوطن شديد على النفوس، فقال: نعم! انه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، و إن