البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٤ - باب مجادلة المشركين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إقامة الحجة الدامغة عليهم و اعترافهم في أنفسهم بالحق و إن أظهروا المخالفة عنادا و حسدا و بغيا و جحودا
أطيعونى و اجعلوها بى. خلوا بين هذا الرجل و بين ما هو فيه و اعتزلوه، فو اللَّه ليكونن لقوله الّذي سمعت نبأ، فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، و ان يظهر على العرب فملكه ملككم، و عزه عزكم، و كنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك و اللَّه يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم.
ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة.
و قال البيهقي: أخبرنا أبو محمد عبد اللَّه بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الأدمي بمكة حدثنا أبو أيوب احمد بن بشر الطيالسي حدثنا داود بن عمرو الضبيّ حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر. قال: لما قرأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على عتبة بن ربيعة (حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) أتى أصحابه فقال لهم: يا قوم أطيعونى في هذا الأمر اليوم، و اعصوني فيما بعده، فو اللَّه لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله، و ما دريت ما أرد عليه و هذا حديث غريب جدا من هذا الوجه. ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري. قال: حدثت أن أبا جهل و ابا سفيان و الأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يصلى بالليل في بيته، فاخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه، و كل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا و طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا و قال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لا وقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم الى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ثم انصرفوا.
فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق، فقالوا لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود. فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرنى يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة و اللَّه لقد سمعت أشياء أعرفها و اعرف ما يراد بها فقال الأخنس: و أنا و الّذي حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال ما ذا سمعت، تنازعنا نحن و بنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، و حملوا فحملنا، و أعطوا فاعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب و كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ و اللَّه لا نسمع به أبدا و لا نصدقه. فقام عنه الأخنس بن شريق. ثم
قال البيهقي أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ أخبرنا أبو العباس حدثنا أحمد حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة. قال: إن أول يوم عرفت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنى أمشي أنا و أبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)