البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٣ - باب مجادلة المشركين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إقامة الحجة الدامغة عليهم و اعترافهم في أنفسهم بالحق و إن أظهروا المخالفة عنادا و حسدا و بغيا و جحودا
من أكثر قريش مالا، و لكنى أتيته و قص عليهم القصة فأجابني بشيء و اللَّه ما هو بسحر و لا بشعر و لا كهانة، قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حتى بلغ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ فأمسكت بفيه و ناشدته الرحم أن يكف، و قد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب. ثم قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبى زياد مولى بنى هاشم عن محمد بن كعب قال حدثت أن عتبة بن ربيعة، و كان سيدا حليما. قال- ذات يوم و هو جالس في نادى قريش، و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس وحده في المسجد-: يا معشر قريش الا أقوم الى هذا فاعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها و يكف عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد! فقام عتبة حتى جلس الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذكر الحديث فيما قال له عتبة و فيما عرض على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من المال و الملك و غير ذلك. و
قال زياد بن إسحاق فقال: عتبة يا معشر قريش ألا أقوم الى محمد فأكلمه و اعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها و يكف عنا و ذلك حين أسلم حمزة و رأوا أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يزيدون و يكثرون. فقالوا: بلى يا أبا الوليد! فقم اليه و كلمه، فقام عتبة حتى جلس الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: يا ابن أخى إنك منا حيث قد علمت من الشطر في العشيرة و المكان في النسب، و أنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت جماعتهم، و سفهت به أحلامهم، و عبت به آلهتهم و دينهم و كفرت به من مضى من آبائهم. فاسمع منى حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «يا أبا الوليد اسمع». قال: يا ابن أخى إن كنت انما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، و إن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، و ان كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، و ان كان هذا الّذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب و بذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه- أو كما قال له- حتى إذا فرغ عتبة. قال له النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أ فرغت يا أبا الوليد؟» قال نعم! قال اسمع منى، قال افعل! فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فمضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقرأها فلما سمع بها عتبة أنصت لها و ألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه حتى انتهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى السجدة فسجدها ثم قال: «سمعت يا أبا الوليد؟» قال سمعت. قال: «فأنت و ذاك» ثم قام عتبة الى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف باللَّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الّذي ذهب به، فلما جلسوا اليه قالوا ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أنى و اللَّه قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، و اللَّه ما هو بالشعر و لا الكهانة، يا معشر قريش