البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٢ - باب مجادلة المشركين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إقامة الحجة الدامغة عليهم و اعترافهم في أنفسهم بالحق و إن أظهروا المخالفة عنادا و حسدا و بغيا و جحودا
من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ قال اللَّه تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا. و
قال الامام عبد بن حميد في مسندة حدثني أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا على ابن مسهر عن الأجلح هو ابن عبد اللَّه الكندي عن الذيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد اللَّه. قال: اجتمع قريش يوما فقالوا انظروا أعلمكم بالسحر و الكهانة و الشعر فليأت هذا الرجل الّذي فرق جماعتنا و شتت أمرنا و عاب ديننا فليكلمه و لينظر ما ذا يرد عليه؟ فقالوا ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد اللَّه فسكت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال فان كنت تزعم ان هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، و ان كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا و اللَّه ما رأينا سخلة [١] قط اشأم على قومه منك فرقت جماعتنا، و شتت أمرنا، و عبت ديننا، و فضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا، و ان في قريش كاهنا. و اللَّه ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا الى بعض بالسيوف حتى نتفانى: أيها الرجل إن كان انما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا، و إن كان إنما بك الباه فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «فرغت؟» قال نعم! فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «بسم اللَّه الرحمن الرحيم حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) الى ان بلغ (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ). فقال عتبة: حسبك ما عندك غير هذا؟ قال لا! فرجع الى قريش فقالوا ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه الا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ فقال نعم! ثم قال لا و الّذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود. قالوا: ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا و اللَّه ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة. و قد رواه البيهقي و غيره عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الأجلح به.
و فيه كلام، و زاد: و ان كنت إنما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت و عنده أنه لما قال: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ أمسك عقبة على فيه و ناشده الرحم أن يكف عنه، و لم يخرج الى أهله و احتبس عنهم. فقال أبو جهل: و اللَّه يا معشر قريش ما نرى عتبة الاصبأ الى محمد و أعجبه طعامه، و ما ذاك الا من حاجة اصابته، انطلقوا بنا اليه فاتوه. فقال أبو جهل: و اللَّه يا عتبة ما جئنا الا أنك صبوت الى محمد و أعجبك أمره، فان كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب و اقسم باللَّه لا يكلم محمدا ابدا. و قال: لقد علمتم أنى
[١] كذا في الأصلين. و في النهاية السخل: المولود المحبب الى أبويه.