البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦١ - باب مجادلة المشركين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إقامة الحجة الدامغة عليهم و اعترافهم في أنفسهم بالحق و إن أظهروا المخالفة عنادا و حسدا و بغيا و جحودا
ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عم ان قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا. قال لم؟ قال ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتعرض ما قبله، قال قد علمت قريش أنى من أكثرها مالا، قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له. قال و ما ذا أقول؟ فو اللَّه ما منكم رجل أعرف بالاشعار منى، و لا أعلم برجزه، و لا بقصيدة منى، و لا باشعار الجن، و اللَّه ما يشبه الّذي يقول شيئا من هذا، و و اللَّه إن لقوله الّذي يقوله حلاوة، و إن عليه لطلاوة، و انه لمثمر اعلاه مغدق أسفله، و إنه ليعلو و لا يعلى، و إنه ليحطم ما تحته. قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه، قال قف عنى حتى أفكر فيه، فلما فكر. قال:
ان هذا الا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت (ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَ بَنِينَ شُهُوداً) الآيات هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد اللَّه بن محمد الصنعاني بمكة عن إسحاق به. و قد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا. فيه أنه قرأ عليه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ و قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبى محمد عن سعيد بن جبير- أو عكرمة عن ابن عباس- أن الوليد بن المغيرة اجتمع و نفر من قريش و كان ذا سن فيهم، و قد حضر المواسم فقال ان وفود العرب ستقدم عليكم فيه و قد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأيا واحدا و لا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، و يرد قول بعضكم بعضا. فقيل: يا أبا عبد شمس فقل و أقم لنا رأيا نقوم به، فقال بل أنتم فقولوا و أنا اسمع. فقالوا نقول كاهن؟ فقال ما هو بكاهن رأيت الكهان. فما هو بزمزمة الكهان. فقالوا نقول مجنون؟
فقال ما هو بمجنون و لقد رأينا الجنون و عرفناه فما هو بحنقه و لا تخالجه و لا وسوسته. فقال نقول شاعر؟ فقال ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر برجزه و هزجه و قريضه و مقبوضة و مبسوطه فما هو بالشعر.
قالوا فنقول هو ساحر؟ قال ما هو بساحر قد رأينا السحار و سحرهم فما هو بنفثه و لا بعقده. قالوا فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: و اللَّه ان لقوله لحلاوة، و ان أصله لمغدق، و ان فرعه لجنى فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، و ان أقرب القول لأن تقولوا هذا ساحر، فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء و دينه، و بين المرء و أبيه، و بين المرء و زوجته، و بين المرء و أخيه، و بين المرء و عشيرته فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم لا يمر بهم أحد لا حذروه إياه و ذكروا لهم أمره و أنزل اللَّه في الوليد (ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَ بَنِينَ شُهُوداً) الآيات و في أولئك النفر الذين جعلوا القرآن عضين (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ).
قلت: و في ذلك قال اللَّه تعالى اخبارا عن جهلهم و قلة عقلهم (بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) فحاروا ما ذا يقولون فيه فكل شيء يقولونه باطل، لأن