البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦ - ذكر عمره عليه الصلاة و السلام وقت بعثته و تاريخها
و التحنف يبدلون الفاء من الثاء، كما قالوا جدف و جذف كما قال رؤبة:
لو كان أحجارى مع الأجذاف
يريد الأجداث. قال و حدثني أبو عبيدة أن العرب تقول فمّ في موضع ثمّ. قلت: و من ذلك قول بعض المفسرين و فومها أن المراد ثومها.
و قد اختلف العلماء في تعبده (عليه السلام) قبل البعثة هل كان على شرع أم لا؟ و ما ذلك الشرع فقيل شرع نوح و قيل شرع إبراهيم. و هو الأشبه الأقوى. و قيل موسى، و قيل عيسى، و قيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه و عمل به، و لبسط هذه الأقوال و مناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه و اللَّه أعلم.
و قوله حتى فجئه الحق و هو بغار حراء أي جاء بغتة على غير موعد كما قال تعالى وَ ما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ الآية. و قد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة و هي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَ رَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ و هي أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير و كما سيأتي أيضا في يوم الاثنين كما ثبت
في صحيح مسلّم عن أبى قتادة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): سئل عن صوم يوم الاثنين؟
فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، و يوم انزل على فيه»
و قال ابن عباس: ولد نبيكم محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الاثنين، و نبئ يوم الاثنين. و هكذا قال عبيد بن عمير و أبو جعفر الباقر و غير واحد من العلماء:
انه عليه الصلاة و السلام أوحى اليه يوم الاثنين، و هذا ما لا خلاف فيه بينهم.
ثم قيل: كان ذلك في شهر ربيع الأول، كما تقدم عن ابن عباس و جابر أنه ولد (عليه السلام)، في الثاني عشر من ربيع الأول يوم الإثنين و فيه بعث و فيه عرج به إلى السماء، و المشهور انه بعث عليه الصلاة و السلام في شهر رمضان، كما نص على ذلك عبيد بن عمير، و محمد بن إسحاق و غيرهما.
قال ابن إسحاق مستدلا على ذلك بما قال اللَّه تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ فقيل في عشره.
و روى الواقدي بسنده عن أبى جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداء الوحي إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان و قيل في الرابع و العشرين منه.
قال الامام احمد: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبى المليح عن واثلة بن الأسقع أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، و أنزلت التوراة لست مضين من رمضان، و الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، و أنزل القرآن لأربع و عشرين خلت من رمضان»
و روى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد اللَّه مرفوعا نحوه، و لهذا ذهب جماعة من الصحابة و التابعين، إلى أن ليلة القدر ليلة أربع و عشرين.