البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٧ - فصل
فمن مثله في الناس أي مؤمل* * * إذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش* * * يوالي إلها ليس عنه بغافل
كريم المساعي ماجد و ابن ماجد* * * له إرث مجد ثابت غير ناصل
و أيده رب العباد بنصره* * * و أظهر دينا حقه غير زائل
فو اللَّه لو لا أن أجيء بسبة* * * تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا تبعنا على كل حالة* * * من الدهر جدا يغر قول التهازل
لقد علموا أنّ ابننا لا مكذب* * * لدينا و لا يعنى بقول الأباطل
فأصبح فينا احمد في أرومة* * * يقصر عنها سورة المتطاول
حدبت بنفسي دونه و حميته* * * و دافعت عنه بالذرى و الكلاكل
قال ابن هشام: هذا ما صح لي من هذه القصيدة و بعض أهل العلم بالشعر ينكرأ كثرها.
قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت اليه، و هي أفحل من المعلقات السبع، و ابلغ في تأدية المعنى فيها جميعا، و قد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات اخر و اللَّه أعلم [١].
فصل
قال ابن إسحاق: ثم إنهم عدوا على من أسلم و اتبع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم و يعذبونهم بالضرب و الجوع و العطش و برمضاء مكة إذا اشتد الحر من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتن من شدة البلاء الّذي يصيبهم و منهم من يصلب لهم و يعصمه اللَّه منهم، فكان بلال مولى أبى بكر لبعض بنى جمح مولدا من مولديهم و هو بلال بن رباح، و اسم امه حمامة، و كان صادق الإسلام طاهر القلب، و كان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا و اللَّه لا
[١] في سيرة ابن هشام زيادة على ما أورده المؤلف من هذه القصيدة و اختلاف في بعض الألفاظ و تقديم و تأخير ليس هنا محل بسطه و لهذه القصيدة نسخ مطبوعة على حدتها فليرجع اليها من أراد ذلك و زاد ابن هشام هذه الأبيات:
فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها* * * و زينا لمن والاه رب المشاكل
رجال كرام غير ميل نماهم* * * إلى الخير آباء كرام المحاصل
فان تك كعب من لؤيّ صقيبة* * * فلا بد يوما مرة من تزايل