البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٥ - فصل
رأوا ذلك سكن عنهم الضحك، و خافوا دعوته، و أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا على الملأ منهم جملة و عين في دعائه سبعة. وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم: وهم عتبة، و أخوه شيبة ابنا ربيعة، و الوليد بن عتبة، و أبو جهل بن هشام، و عقبة بن أبى معيط، و أمية بن خلف. قال ابن إسحاق: و نسيت السابع. قلت: و هو عمارة بن الوليد وقع تسميته في صحيح البخاري.
قصة الإراشي [١]
قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثنا عبد الملك بن أبى سفيان الثقفي. قال: قدم رجل من إراش بإبل له الى مكة فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فمطله بأثمانها. فاقبل الإراشي حتى وقف على نادي قريش و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس في ناحية المسجد. فقال: يا معشر قريش من رجل يعدينى على أبى الحكم بن هشام فانى غريب و ابن سبيل، و قد غلبني على حقي؟ فقال أهل المجلس ترى ذلك- يهزون به [٢] إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما يعلمون ما بينه و بين أبى جهل من العداوة، اذهب اليه فهو يعديك عليه [٣]. فاقبل الإراشي حتى وقف على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذكر ذلك له، فقام معه. فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ما يصنع؟ فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى جاءه فضرب عليه بابه. فقال: من هذا؟ قال محمد فاخرج! فخرج اليه و ما في وجهه قطرة دم، و قد انتقع لونه. فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال لا تبرح حتى أعطيه الّذي له. قال فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه اليه، ثم انصرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال للاراشى الحق لشأنك. فاقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه اللَّه خيرا، فقد أخذت الّذي لي، و جاء الرجل الّذي بعثوا معه فقالوا ويحك ما ذا رأيت؟ قال عجبا من العجب، و اللَّه ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج و ما معه روحه فقال: أعط هذا الرجل حقه. فقال: نعم! لا تبرح حتى أخرج اليه حقه، فدخل فأخرج اليه حقه فأعطاه. ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له ويلك ما لك فو اللَّه ما رأينا مثل ما صنعت؟ فقال:
ويحكم و اللَّه ما هو إلا أن ضرب على بابي و سمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت اليه و إن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته، و لا قصرته و لا أنيابه لفحل قط، فو اللَّه لو أبيت لأكلني.
فصل
و قال البخاري حدثنا عياش بن الوليد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي عن يحيى بن أبى
[١] الإراشي نسبة الى إراش بالكسر و الشين معجمة موضع حكاه ياقوت.
[٢] هذا نص الحلبية بالزاي المعجمة و في المصرية: و هم يهرون به بالراء المهملة.
[٣] في الأصلين: يؤديك عليه.