البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٣ - باب أمر اللَّه رسوله عليه الصلاة و السلام بإبلاغ الرسالة
و شتم آبائنا و تسفيه أحلامنا، و سب آلهتنا و انى أعاهد اللَّه لأجلس له غدا بحجر فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أبو جهل لعنه اللَّه أخذ حجرا ثم جلس لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينتظره، و غدا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما كان يغدو، و كان قبلته الشام.
فكان إذا صلّى صلّى بين الركنين الأسود و اليماني، و جعل الكعبة بينه و بين الشام. فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يصلّى، و قد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون، فلما سجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، و قامت اليه رجال من قريش. فقالوا له: ما بك يا أبا الحكم؟
فقال قمت اليه لأفعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل و اللَّه ما رأيت مثل هامته، و لا قصرته [١]، و لا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلنى.
قال ابن إسحاق:
فذكر لي أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: «ذلك جبريل، و لو دنا منه لأخذه».
و قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ أخبرنى أبو النضر الفقيه حدثنا عثمان الدارميّ حدثنا عبد اللَّه بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن إسحاق بن عبد اللَّه ابن أبى فروة عن أبان بن صالح عن على بن عبد اللَّه بن عباس عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب. قال: كنت يوما في المسجد فاقبل أبو جهل- لعنه اللَّه- فقال: إن للَّه على إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته، فخرجت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى دخلت عليه فأخبرته بقول أبى جهل، فخرج غضبانا حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط. فقلت هذا يوم شر، فاتزرت ثم اتبعته فدخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ فلما بلغ شأن أبى جهل كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى فقال إنسان لأبي جهل: يا أبا الحكم هذا محمد؟ فقال أبو جهل ألا ترون ما أرى؟ و اللَّه لقد سد أفق السماء على فلما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) آخر السورة سجد.
و قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الكريم عن عكرمة قال قال ابن عباس: قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلّى عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا». و رواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق به.
قال داود بن أبى هند عن عكرمة عن ابن عباس. قال، مر أبو جهل بالنبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يصلّى. فقال: أ لم أنهك أن تصلّى يا محمد؟
لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا منى، فانتهره النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فقال جبريل: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ و اللَّه لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب. رواه أحمد و الترمذي و صححه النسائي من طريق داود به. و
قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن يزيد أبو زيد حدثنا فرات عن عبد الكريم عن
[١] قصرته: أي عنقه و أصل رقبته.