البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠٩ - فصل في وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهاليهم بمكة
سفيان- و اسمه المغيرة- ابن الحارث بن عبد المطلب قد قدم. قال فقال أبو لهب: هلم إليّ فعندك لعمري الخبر، قال فجلس اليه و الناس قيام عليه فقال: يا ابن أخى أخبرنى كيف كان أمر الناس؟ قال و اللَّه ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا، و يأسروننا كيف شاءوا، و ايم اللَّه مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء و الأرض، و اللَّه ما تليق شيئا و لا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك و اللَّه الملائكة. قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، قال و ثاورته [١] فاحتملني و ضرب بى الأرض ثم برك عليّ يضربني- و كنت رجلا ضعيفا- فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فبلغت في رأسه شجة منكرة، و قالت استضعفته إن غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا فو اللَّه ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه اللَّه بالعدسة فقتلته. زاد يونس عن ابن إسحاق، فلقد تركه ابناه بعد موته ثلاثا ما دفناه حتى أنتن. و كانت قريش تتقى هذه العدسة كما تتقى الطاعون حتى قال لهم رجل من قريش: و يحكما ألا تستحيان أن أبا كما قد أنتن في بيته لا تدفنانه؟ فقالا إنا نخشى عدوة هذه القرحة، فقال انطلقا فانا أعينكما عليه فو اللَّه ما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يدنون منه، ثم احتملوه إلى أعلا مكة فأسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه بالحجارة. [قال يونس عن ابن إسحاق و حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت لا تمر على مكان أبى لهب هذا إلا تسترت بثوبها حتى تجوز [٢]].
قال ابن إسحاق: و حدثني يحيى بن عباد قال ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا لا تفعلوا يبلغ محمدا و أصحابه فيشمتوا بكم، و لا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنسوا بهم لا يأرب [٣] عليكم محمد و أصحابه في الفداء. قلت: و كان هذا من تمام ما عذب اللَّه به أحياءهم في ذلك الوقت و هو تركهم النوح على قتلاهم، فان البكاء على الميت مما يبل فؤاد الحزين. قال ابن إسحاق: و كان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده، زمعة و عقيل و الحارث، و كان يحب أن يبكى على بنيه قال فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له- و كان قد ذهب بصره- انظر هل أحل النحب هل بكت قريش على قتلاها لعلى أبكى على أبى حكيمة- يعنى ولده زمعة- فان جوفي قد احترق، قال فلما رجع اليه الغلام قال إنما هي امرأة تبكى على بعير لها أصلته قال فذاك حين يقول الأسود:
أ تبكي أن أضل لها بعير* * * و يمنعها من النوم السهود
[١] كذا في الحلبية و ابن هشام، و في المصرية: و بادرته.
[٢] ما بين المربعين من الحلبية فقط و لم يرد في المصرية و لا في ابن هشام. و لكن السهيليّ أشار اليه و أسنده إلى بن إسحاق.
[٣] يأرب قال في النهاية في تفسير هذا الخبر: أي يتشددون عليكم.