البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٤ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم فأنزل اللَّه عز و جل على رسوله كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ و ذكر تمام الحديث.
و روى ابن مردويه أيضا من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده. قال خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: «كيف ترون؟» فقال أبو بكر يا رسول اللَّه بلغنا أنهم بكذا و كذا، قال ثم خطب الناس فقال «كيف ترون؟» فقال عمر مثل قول أبى بكر ثم خطب الناس فقال «كيف ترون؟» فقال سعد بن معاذ يا رسول اللَّه إيانا تريد؟ فو الّذي أكرمك و أنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط و لا لي بها علم، و لئن سرت حتى تأتى برك الغماد من ذي بمن لنسيرن معك و لا نكون كالذين قالوا لموسى اذهب أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ و لكن أذهب أنت و ربك فقاتلا انا معكم متبعون، و لعل أن تكون خرجت لأمر و أحدث اللَّه إليك غيره فانظر الّذي أحدث اللَّه إليك فامض فصل حبال من شئت و اقطع حبال من شئت و عاد من شئت و سالم من شئت و خذ من أموالنا ما شئت. فنزل القرآن على قول سعد كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ الآيات.
و ذكره الأموي في مغازيه و زاد بعد قوله و خذ من أموالنا ما شئت و أعطنا ما شئت، و ما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، و ما أمرت به من أمر فأمرنا تبع لأمرك فو اللَّه لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك.
قال ابن إسحاق: ثم ارتحل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الاصافر ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدية [١] و ترك الحنّان بيمين و هو كثيب عظيم كالجبل العظيم، ثم نزل قريبا من بدر فركب هو و رجل من أصحابه. قال ابن هشام هو أبو بكر.
قال ابن إسحاق- كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان- حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش و عن محمد و أصحابه و ما بلغه عنهم. فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا أخبرتنا أخبرناك فقال أو ذاك بذاك؟ قال نعم! قال الشيخ فإنه بلغني أن محمدا و أصحابه خرجوا يوم كذا و كذا فان كان صدق الّذي أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا و كذا للمكان الّذي به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و بلغني أن قريشا خرجوا يوم كذا و كذا فان كان الّذي أخبرنى صدقنى فهم اليوم بمكان كذا و كذا. للمكان الّذي به قريش، فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما؟ فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحن من ماء» ثم انصرف عنه. قال يقول الشيخ: ما من ماء أمن ماء العراق؟ قال ابن هشام: يقال لهذا الشيخ سفيان الضمريّ.
[١] كذا في الأصلين و ابن هشام. و في معجم البلدان و في تاريخ ابن جرير في هذا الخبر: الدبة بالباء الموحدة مشددة و هو الصحيح.