البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٢ - غزوة بدر العظمى* يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
انصب منه حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهنيّ حليف بنى ساعدة و عدي ابن أبى الزغباء حليف بنى النجار إلى بدر يتجسسان الاخبار عن أبى سفيان صخر بن حرب و عيره و قال موسى بن عقبة بعثهما قبل أن يخرج من المدينة فلما رجعا فأخبراه بخبر العير استنفر الناس اليها فان كان ما ذكره موسى بن عقبة و ابن إسحاق محفوظا فقد بعثهما مرتين و اللَّه أعلم.
قال ابن إسحاق (رحمه اللَّه): ثم ارتحل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد قدمهما فلما استقبل الصفراء و هي قرية بين جبلين سأل عن جبليها ما أسماؤهما؟ فقالوا يقال لأحدهما مسلح و للآخر مخرئ، و سأل عن أهلهما فقيل بنو النار، و بنو حراق، بطنان من غفار فكرههما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و المرور بينهما و تفاءل بأسمائهما و أسماء أهلهما فتركهما و الصفراء بيسار و سلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فجزع فيه ثم نزل و
أتاه الخبر عن قريش و مسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس و أخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال و أحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال و أحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول اللَّه أمض لما أراك اللَّه، فنحن معك و اللَّه لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، و لكن اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الّذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيرا و دعا له. ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أشيروا عليّ أيها الناس» و إنما يريد الأنصار، و ذلك أنهم كانوا عدد الناس و أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول اللَّه إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا و نساءنا، فكان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، و أن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال له سعد بن معاذ: و اللَّه لكأنك تريدنا يا رسول اللَّه؟ قال «أجل» قال فقد آمنا بك و صدقناك و شهدنا أن ما جئت به هو الحق و أعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطاعة لك، فامض يا رسول اللَّه لما أردت فنحن معك فو الّذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد و ما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل اللَّه يريك منا ما تقربه عينك، فسر على بركة اللَّه قال فسر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بقول سعد و نشّطه ثم قال: «سيروا و ابشروا فان اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين و اللَّه لكأنّي الآن انظر إلى مصارع القوم» هكذا رواه ابن إسحاق (رحمه اللَّه).
و له شواهد من وجوه كثيرة فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه حدثنا أبو نعيم حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال سمعت ابن مسعود يقول شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يدعو