البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٥ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبى معيط بمكة، فأتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر- و قد فرا من المشركين- فقال: «يا غلام عندك لبن تسقينا؟» فقلت إني مؤتمن و لست بساقيكما، فقالا هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت نعم! فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر و أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الضرع فدعا فحفل الضرع و جاء أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها. ثم شرب هو و أبو بكر و سقياني، ثم قال للضرع أقلص فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقلت علمني من هذا القول الطيب- يعنى القرآن- فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «إنك غلام معلم» فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد.
فقوله في هذا السياق و قد فرا من المشركين ليس المراد منه وقت الهجرة، إنما ذلك في بعض الأحوال قبل الهجرة. فان ابن مسعود ممن أسلم قديما و هاجر إلى الحبشة و رجع إلى مكة كما تقدم، و قصته هذه صحيحة ثابتة في الصحاح و غيرها و اللَّه أعلم.
[ [١] و
قال الامام احمد: حدثنا عبد اللَّه بن مصعب بن عبد اللَّه- هو الزبيري- حدثني أبى عن فائد مولى عبادل قال خرجت مع إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعد حتى إذا كنا بالعرج أتى ابن سعد- و سعد هو الّذي دل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على طريق ركوبة [٢]- فقال إبراهيم [أخبرنى] ما حدثك أبوك؟ قال ابن سعد: حدثني أبى أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أتاهم و معه أبو بكر- و كانت لأبي بكر عندنا بنت مسترضعة- و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة، فقال له سعد: هذا الغامر من ركوبة و به لصان من أسلم يقال لهما المهانان. فان شئت أخذنا عليهما، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «خذ بنا عليهما» قال سعد فخرجنا حتى إذ أشرفنا إذا أحدهما يقول لصاحبه. هذا اليماني. فدعاهما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعرض عليهما الإسلام فأسلما، ثم سألهما عن أسمائهما فقالا نحن المهانان. فقال: «بل أنتما المكرمان» و أمرهما أن يقدما عليه المدينة فخرجنا] حتى إذا أتينا ظاهر قباء فتلقاه بنو عمرو بن عوف فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أين أبو أمامة أسعد بن زرارة؟» فقال سعد ابن خيثمة. إنه أصاب قبلي يا رسول اللَّه أ فلا أخبره ذلك؟ ثم مضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى إذا طلع
[١] ما بين المربعين أثبتناه من النسخة الحلبية، و سقط من المصرية. و هذا الأثر مروى في زوائد المسند عن عبد اللَّه بن احمد من رواية القطيعي و نصه كما في جلد ٤ ص ٧٤ من النسخة المطبوعة بمصر حدثنا عبد اللَّه حدثنا مصعب بن عبد اللَّه هو الزبير قال حدثني أبى عن فائد مولى عبادل. قال خرجت مع إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبى ربيعة فأرسل [إلى] إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعد حتى إذا كنا بالعرج أتانا ابن سعد و سعد هو الّذي دل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلخ.
[٢] في الأصل ركونة بالنون و هو خطأ، و ركوبة ثنية بين مكة و المدينة عند العرج قرب جبل ورقان.