البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٣ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
لأمره. محفود محشود لا عابس و لا معتد [١] فقال- يعنى بعلها-: هذا و اللَّه صاحب قريش الّذي تطلب، و لو صادفته لالتمست أن أصحبه، و لأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، قال و أصبح صوت بمكة عال بين السماء و الأرض يسمعونه و لا يرون من يقول و هو يقول:
جزى اللَّه رب الناس خير جزائه* * * رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر و ارتحلا به [٢]* * * فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما زوى اللَّه عنكم* * * به من فعال لا تجاري و سؤدد
سلوا أختكم عن شاتها و إنائها* * * فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت* * * له بصريح ضرة الشاة مزبد [٣]
فغادره رهنا لديها لحالب* * * يدر لها في مصدر ثم مورد
قال و أصبح الناس- يعنى بمكة- و قد فقدوا نبيهم، فأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال و أجابه حسان بن ثابت:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم [٤]* * * و قد سر [٥] من يسرى اليهم و يغتدى
ترحل عن قوم فزالت عقولهم* * * و حل على قوم بنور مجدد
[هداهم به بعد الضلالة ربهم* * * و أرشدهم من يتبع الحق يرشد [٦]]
و هل يستوي ضلّال قوم تسفهوا* * * عمى و هداة يهتدون بمهتد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله* * * و يتلو كتاب اللَّه في كل مشهد
و إن قال في يوم مقالة غائب* * * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جده* * * بصحبته من يسعد اللَّه يسعد
و يهن بنى كعب مسكان فتاتهم* * * و مقعدها للمسلمين بمرصد
[٧] قال- يعنى عبد الملك بن وهب- فبلغني أن أبا معبد أسلم و هاجر إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و هكذا
[١] في أصل المصرية: و لا مفند و في الحلبية مهمل من النقط و التصحيح من الخشنيّ في غريب السيرة.
[٢] كذا بالأصلين، و في ابن هشام: هما نزلا بالبر ثم تروحا. و في السهيليّ: ثم ترحلا.
[٣] كذا بالمصرية و السهيليّ و النهاية و فيها: الضرة أصل الضرع، و في ح: لديه بضرع ثرة الشاة مزبد. و الثرة كثرة اللبن.
[٤] الّذي في السهيليّ: غاب بدل زال، و ضلت عقولهم بدل زالت.
[٥] في الأصلين و في السهيليّ: و قد سر، و الّذي في شرح السيرة للخشنى: و قدس و فسره بمعنى طهر.
[٦] هذا البيت زدناه من السهيليّ و لم يرد في الأصل.
[٧] هذا البيت أورده السهيليّ في الأبيات التي قبلها و نسبها إلى رجل من الجن و لم يورده لحسان.