البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٢ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
فأطعمها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أعطاها
- زاد ابن عبدان في روايته:- قالت فدلني عليه، فانطلقت معى و أهدت لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شيئا من أقط و متاع الاعراب. قال فكساها و أعطاها. قال و لا أعلمه إلا قال و أسلمت. اسناد حسن.
و قال البيهقي: هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد، و الظاهر أنها هي و اللَّه أعلم. و
قال البيهقي أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ و أبو بكر احمد بن الحسن القاضي. قالا: ثنا أبو العباس الأصم ثنا الحسن بن مكرم حدثني أبو احمد بشر بن محمد السكرى ثنا عبد الملك بن وهب المذحجي ثنا أبجر بن الصباح عن أبى معبد الخزاعي أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خرج ليلة هاجر من مكة إلى المدينة هو و أبو بكر و عامر ابن فهيرة مولى أبى بكر و دليلهم عبد اللَّه بن أريقط الليثي، فمروا بخيمتى أم معبد الخزاعية، و كانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبى و تجلس بفناء الخيمة فتطعم و تسقى، فسألوها هل عندها لحم أو لبن يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئا من ذلك. و قالت لو كان عندنا شيء ما أعوذكم القرى، و إذا القوم مرملون مسنتون. فنظر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإذا شاة في كسر خيمتها فقال «ما هذه الشاة يا أم معبد؟» فقالت شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال «فهل بها من لبن» قالت هي أجهد من ذلك.
قال تأذنين لي أن أحلبها؟ قالت إن كان بها حلب فاحلبها. فدعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالشاة فمسحها و ذكر اسم اللَّه و مسح ضرعها و ذكر اسم اللَّه و دعا بإناء لها يربض الرهط [١] فتفاجت [٢] و اجترت فحلب فيه ثجا حتى ملأه [و أرسله اليها] فسقاها و سقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل، حتى إذا رووا شرب آخرهم و قال «ساقى القوم آخرهم» ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا
قال فقلما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلى لا نقى بهن [٣] مخهن قليل فلما رأى اللبن عجب و قال من أين هذا اللبن يا أم معبد و لا حلوبة في البيت و الشاء عازب؟ فقالت: لا و اللَّه إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت و كيت. فقال صفيه لي فو اللَّه إني لأراه صاحب قريش الّذي تطلب. فقالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة [٤] و لم تزر به صعلة [٤] قسيم وسيم في عينيه دعج، و في أشفاره وطف، و في صوته صحل. أحول أكحل أزج أقرن في عنقه سطع و في لحيته كثاثة. إذا صمت فعليه الوقار، و إذا تكلم سما و علاه البهاء، حلو المنطق فصل لا نزر و لا هذر كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، أبهى الناس و أجمله من بعيد، و أحسنه من قريب. ربعة لا تنساه عين من طول، و لا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا، و أحسنهم قدا له رفقاء يحفون به إن قال استمعوا لقوله، و إن أمر تبادروا
[١] أي يشبع الجماعة حتى يربضوا. عن السهيليّ
[٢] أي فرجت بين رجليها.
[٣] النقي المخ.
[٤] ثجلة، أي ضخم بطن، و يرى بالنون و الحاء، أي نحول و دقة. و الصعلة صغر الرأس عن النهاية.