البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩١ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
عليها فشربت، ثم دعا بحائل أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله، ثم دعا بحائل أخر يفعل بها مثل ذلك فسقى عامرا، ثم تروح.
و طلبت قريش رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى بلغوا أم معبد فسألوا عنه فقالوا أ رأيت محمدا من حليته كذا كذا؟ فوصفوه لها. فقالت: ما أدرى ما تقولون، قدمنا فتى حالب الحائل. قالت قريش: فذاك الّذي نريد.
و قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا عبد الرحمن بن عقبة ابن عبد الرحمن بن جابر بن عبد اللَّه ثنا أبى عن أبيه عن جابر. قال: لما خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر مهاجرين فدخلا الغار، إذا في الغار جحر فألقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح مخافة أن يخرج على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منه شيء. فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا حتى نزلا بخيمات أم معبد فأرسلت اليه أم معبد إني أرى وجوها حسانا، و إن الحي أقوى على كرامتكم منى، فلما أمسوا عندها بعثت مع ابن لها صغير بشفرة و شاة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أردد الشفرة و هات لنا فرقا» يعنى القدح فأرسلت اليه أن لا لبن فيها و لا ولد. قال هات لنا فرقا فجاءت بفرق فضرب ظهرها فاجترت و درت فحلب فملأ القدح فشرب و سقى أبا بكر، ثم حلب فبعث فيه الى أم معبد.
ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد. و عبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدا حدث عنه الا يعقوب بن محمد و ان كان معروفا في النسب.
و روى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن أبى زائدة حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى ثنا عبد الرحمن بن الأصبهاني سمعت عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبى بكر الصديق. قال: خرجت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب، فنظر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى بيت منتحيا فقصد اليه، فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت: يا عبد اللَّه إنما أنا امرأة و ليس معى أحد فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى، قال فلم يجبها و ذلك عند السماء، فجاء ابن لها بأعنز يسوقها فقالت يا بنى انطلق بهذه العنز و الشفرة إلى هذين الرجلين فقال لهما تقول لكما أمى اذبحا هذه و كلا و أطعمانا، فلما جاء قال له النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «انطلق بالشفرة و جئني بالقدح» قال إنها قد عزبت و ليس بها لبن، قال انطلق، فجاء بقدح فمسح النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ضرعها ثم حلب حتى ملأ القدح، ثم قال انطلق به إلى أمك، فشربت حتى رويت، ثم جاء به فقال انطلق بهذه و جئني بأخرى. ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى ففعل بها كذلك، ثم شرب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فبتنا ليلتنا، ثم انطلقنا.
فكانت تسميه المبارك. و كثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة، فمر أبو بكر فرأى ابنها فعرفه فقال يا أمه هذا الرجل الّذي كان مع المبارك. فقامت اليه فقالت: يا عبد اللَّه من الرجل الّذي كان معك؟ قال أو ما تدرين من هو؟ قالت لا، قال هو نبي اللَّه. قالت فأدخلني عليه. قال فادخلها