البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٩ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
و هكذا حكى السهيليّ عن ابن إسحاق أنها الجدعاء و اللَّه أعلم.
قال ابن إسحاق: فركبا و انطلقا و أردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق فحدثت عن أسماء أنها قالت: لما خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل فذكر ضربه لها على خدها لطمة طرح منها قرطها من أذنها كما تقدم. قالت: فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب، و أن الناس ليتبعونه يسمعون صوته و ما يرونه حتى خرج من أعلا مكة و هو يقول:
جزى اللَّه رب الناس خير جزائه* * * رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا* * * فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بنى كعب مكان فتاتهم* * * و مقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و أن وجهه إلى المدينة.
قال ابن إسحاق: و كانوا أربعة، رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و أبو بكر، و عامر بن فهيرة مولى أبى بكر، و عبد اللَّه بن أرقد [١] كذا يقول ابن إسحاق، و المشهور عبد اللَّه بن أريقط الدئلي. و كان إذ ذاك مشركا.
قال ابن إسحاق: و لما خرج بهما دليلهما عبد اللَّه بن أرقد سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار [٢] ثم أجاز بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة مجاج ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين، ثم بطن ذي كشد، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الأجرد، ثم سلك بهما ذا سلّم من بطن أعداء مدلجة تعهن، ثم على العبابيد، ثم أجاز بهما القاحة [٣] ثم هبط بهما العرج و قد أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل يقال له ابن الرداء إلى المدينة و بعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما [دليلهما من العرج فسلك بها ثنية العائر عن يمين ركوبة
[١] كذا في الأصلين، و في ابن هشام عن ابن إسحاق في جميع المواضع: عبد اللَّه بن أرقط، و استدرك على ابن إسحاق بقوله: و يقال عبد اللَّه بن أريقط.
[٢] في الأصلين الحرار. و هي جمع الحرة، و الّذي في ابن هشام: الخرار بالخاء المعجمة و تشديد الراء موضع بالحجاز و قيل واد أو ماء بالمدينة كما في المعجم لياقوت.
[٣] في أصل ابن إسحاق: الفاجة بفاء و جيم.