البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٨ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
رمحين أو قال رمحين أو ثلاثة- قلت يا رسول اللَّه هذا الطلب قد لحقنا؟ و بكيت، قال لم تبكى؟
[قلت] أما و اللَّه ما على نفسي أبكى، و لكن أبكى عليك. فدعا عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال:
«اللَّهمّ اكفناه بما شئت» فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد و وثب عنها و قال: يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع اللَّه أن ينجيني مما أنا فيه، فو اللَّه لاعمين على من ورائي من الطلب، و هذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بابلى و غنمي بموضع كذا و كذا فخذ منها حاجتك. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لا حاجة لي فيها» و دعا له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأطلق و رجع إلى أصحابه، و مضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنا معه حتى قدمنا المدينة و تلقاه الناس فخرجوا في الطرق على الاناجير [١] و اشتد الخدم و الصبيان في الطريق يقولون: اللَّه أكبر جاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، جاء محمد، قال و تنازع القوم أيهم ينزل عليه، قال فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أنزل الليلة على بنى النجار أخوال عبد المطلب لاكرمهم بذلك». فلما أصبح غدا حيث أمر. قال البراء: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى أحد بنى فهر، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، فقلنا ما فعل رسول اللَّه؟ قال هو على أثرى، ثم قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر معه. قال البراء. و لم يقدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى قرأت سورا من المفصل أخرجاه في الصحيحين من حديث إسرائيل بدون قول البراء أول من قدم علينا إلخ. فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق إسرائيل به.
و قال ابن إسحاق: فأقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الغار ثلاثا و معه أبو بكر و جعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم، فلما مضت الثلاث و سكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الّذي استأجراه ببعيريهما و بعير له، و أتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما، و نسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به. فكان يقال لها ذات النطاقين لذلك.
قال ابن إسحاق: فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قدم له أفضلهما ثم قال:
اركب فداك أبى و أمى، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إني لا أركب بعيرا ليس لي» قال: فهي لك يا رسول اللَّه بأبي أنت و أمى. قال «لا و لكن ما الثمن الّذي ابتعتها به» قال كذا و كذا. قال «أخذتها بذلك» قال هي لك يا رسول اللَّه.
و روى الواقدي بأسانيده أنه (عليه السلام) أخذ القصواء، قال و كان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم. و روى ابن عساكر من طريق أبى أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: و هي الجدعاء
[١] في النهاية: تلقته الناس على الاجاجير و الاناجير، يعنى السطوح.