البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٧ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
يا رسول اللَّه، فأبى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما. ثم بناه مسجدا. فطفق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينقل معهم اللبن في بنيانه، و هو يقول حين ينقل اللبن:
هذا الحمال لاحمال خيبر* * * هذا أبر ربنا و أطهر
و يقول:
لاهمّ إن الأجر أجر الآخرة* * * فارحم الأنصار و المهاجرة [١]
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي.
قال ابن شهاب: و لم يبلغنا في الأحاديث ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات. هذا لفظ البخاري و قد تفرد بروايته دون مسلم، و له شواهد من وجوه أخر و ليس فيه قصة أم معبد الخزاعية، و لنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا.
قال الامام احمد: حدثنا عمرو بن محمد أبو سعيد العنقزى ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب. قال: اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي. فقال: لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أنت معه؟ فقال أبو بكر: خرجنا فادلجنا فاحثثنا يومنا و ليلتنا حتى أظهرنا و قام قائم الظهيرة، فضربت بصرى هل أرى ظلا نأوي اليه، فإذا أنا بصخرة فأهويت اليها فإذا بقية ظلها، فسويته لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و فرشت له فروة و قلت اضطجع يا رسول اللَّه فاضطجع، ثم خرجت انظر هل أرى أحدا من الطلب فإذا أنا براعي غنم، فقلت لمن أنت يا غلام؟ فقال لرجل من قريش- فسماه فعرفته- فقلت هل في غنمك من لبن؟ قال نعم! قلت هل أنت حالب لي؟ قال نعم! فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار، و معى إداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة [٢] من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فوافيته و قد استيقظ، فقلت اشرب يا رسول اللَّه فشرب حتى رضيت، ثم قلت هل آن الرحيل؟ فارتحلنا و القوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت يا رسول اللَّه هذا الطلب قد لحقنا؟ قال «لا تحزن إن اللَّه معنا» حتى إذا دنا منا فكان بيننا و بينه قد رمح- أو
[١] كذا في الأصل، و في ابن هشام: أن المسلمين كانوا يقولون:
لا عيش إلا عيش الآخرة* اللَّهمّ ارحم الأنصار و المهاجرة و أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: لا عيش إلا عيش الآخرة اللَّهمّ فارحم المهاجرين و الأنصار.
[٢] الكثبة من اللبن القليل منه، و كل قليل جمعته من طعام و غيره. عن النهاية.