البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٦ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
لاسلام كثير منهم، و كان سراقة أمير بنى مدلج و رئيسهم، فكتب أبو جهل- لعنه اللَّه- اليهم:
بنى مدلج إني أخاف سفيهكم* * * سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألّا يفرق جمعكم* * * فيصبح شتى بعد عز و سؤدد
قال فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا:
أبا حكم و اللَّه لو كنت شاهدا* * * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
عجبت و لم تشكك بأن محمدا* * * [١] رسول و برهان فمن ذا يقاومه
عليك فكف القوم عنه فاننى* * * أخال لنا يوما ستبدو معاله
بأمر تود النصر فيه فإنهم* * * و إن جميع الناس طرا مسالمه
[ [٢] و ذكر هذا الشعر الأموي في مغازيه بسنده عن أبى إسحاق و قد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد عن ابن إسحاق، و زاد في شعر أبى جهل أبياتا تتضمن كفرا بليغا].
و قال البخاري بسنده إلى ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسى الزبير رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبا بكر ثياب بياض، و سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا الى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر اليه، فبصر برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الّذي تنتظرون فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بنى عمرو بن عوف، و ذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس و جلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحيى أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فاقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه. فعرف الناس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عند ذلك
فلبث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في بنى عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة و أسس المسجد الّذي أسس على التقوى و صلّى فيه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثم ركب راحلته و سار يمشى معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمدينة، و هو يصلى فيه يومئذ رجال من المسلمين. و كان مربدا للتمر لسهيل و سهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء اللَّه المنزل»، ثم دعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا بل نهبه لك
[١] في المصرية: نبي و برهان فمن ذا يكاتمه. و ذكر هذه الأبيات السهيليّ و فيها اختلاف عما هنا.
[٢] ما بين المربعين سقط من النسخة الحلبية.