البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٤ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
يومئذ بمكة.
فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للمسلمين: «إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين» و هما الحرتان. فهاجر من هاجر قبل المدينة، و رجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة الى المدينة، و تجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة. فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «على رسلك فانى أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر: و هل ترجو ذلك بأبي أنت و أمى؟ قال نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليصحبه، و علف راحلتين كانتا عنده ورق السمر- و هو الخبط- [١] أربعة أشهر،
و ذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر.
قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبى بكر في حر الظهيرة، فقال قائل لأبى بكر: هذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبى و أمى، و اللَّه ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت فجاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أخرج من عندك» فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول اللَّه. قال فإنه قد أذن لي في الخروج. فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت و أمى، قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «نعم»! قال أبو بكر: فخذ أنت يا رسول اللَّه إحدى راحلتي هاتين. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالثمن.
قالت عائشة فجهزنا هما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين. قالت ثم لحق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد اللَّه بن أبى بكر و هو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت، لا يسمع أمرا يكاد ان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، و يرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة [٢] من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل- و هو لبن منحتهما و رضيعهما- حتى [ينعق بها [٣]] عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. و استأجر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر رجلا من بنى الدئل و هو من بنى عبد ابن عدي هاديا خريتا- و الخريت الماهر بالهداية- قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي و هو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا اليه راحلتيهما، و واعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال. و انطلق معهما عامر بن فهيرة و الدليل فأخذ بهم طريق السواحل. قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي و هو ابن أخى سراقة أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك
[١] كذا بالأصلين، و الّذي في النهاية: السمر بضم الميم ضرب من شجر الطلح، و أما الخبط فهو ضرب الشجرة لتناثر ورقها، و اسم الورق الساقط خبط بفتحتين.
[٢] أي غنم فيها لبن، و قد تقع المنحة على الهبة مطلقا لا قرضا و لا عارية. من النهاية.
[٣] الّذي في الأصلين: حتى ينعو بهما و في النهاية نعق الراعي بالغنم ينعق إذا دعاها لتعود اليه.