البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨١ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تلك الليلة، و خرج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى لحق بالغار، و بات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). فلما أصبحوا ثاروا عليه، فلما رأوا عليا رد اللَّه عليهم مكرهم. فقالوا: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدرى. فاقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. و هذا اسناد حسن و هو من أجود ما روى في قصة نسج العنكبوت على فم الغار، و ذلك من حماية اللَّه رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
[و قال الحافظ أبو بكر احمد بن على بن سعيد القاضي في مسند ابى بكر حدثنا بشار الخفاف ثنا جعفر و سليمان [١] ثنا ابو عمران الجونى حدثنا المعلى بن زياد عن الحسن البصري. قال: انطلق النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر الى الغار، و جاءت قريش يطلبون النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كانوا إذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا: لم يدخل أحد، و كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قائما يصلى و أبو بكر يرتقب، فقال أبو بكر للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم): هؤلاء قومك يطلبونك، أما و اللَّه ما على نفسي آئل [٢] و لكن مخافة أن أرى فيك ما أكره. فقال له النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «يا أبا بكر لا تخف إن اللَّه معنا» و هذا مرسل عن الحسن،
و هو حسن بحاله من الشاهد، و فيه زيادة صلاة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الغار. و قد كان (عليه السلام) إذا أحزنه أمر صلى و روى هذا الرجل- اعنى ابو بكر احمد بن على القاضي- [عن] عمرو الناقد عن خلف بن تميم عن موسى بن مطر عن أبيه عن ابى هريرة أن أبا بكر. قال لابنه: يا بنى إذا حدث في الناس حدث فأت الغار الّذي اختبأت فيه أنا و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فكن فيه فإنه سيأتيك رزقك فيه بكرة و عشيا] [٣].
و قد نظم بعضهم هذا في شعره حيث يقول:
نسج داود ما حمى صاحب الغار* * * و كان الفخار للعنكبوت
و قد ورد أن حمامتين عششتا على بابه أيضا، و قد نظم ذلك الصرصرى في شعره حيث يقول:
فغمى عليه العنكبوت بنسجه* * * و ظل على الباب الحمام يبيض
و الحديث بذلك رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا عمرو بن على ثنا عون بن عمرو أبو عمرو القيسي- و يلقب عوين- حدثني أبو مصعب المكيّ. قال: أدركت زيد بن أرقم و المغيرة بن شعبة و أنس بن مالك، يذكرون أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة الغار أمر اللَّه شجرة
[١] كذا في الأصل، و لعله جعفر بن سليمان الضبعي من رجال الخلاصة.
[٢] ألّ المريض و الحزين أنّ و حنّ و رفع صوته و صرخ عند المصيبة.
[٣] ما بين المربعين زيادة في النسخة الحلبية، و لم يرد في النسخة المصرية.