البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٠ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
ذلك فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك، و إذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك. حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر: كما أنت حتى أدخل يدي فاحسه و أقصه فان كانت فيه دابة أصابتنى قبلك. قال نافع: فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شيء يؤذى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و هذا مرسل. و قد ذكرنا له شواهد أخر في سيرة الصديق رضى اللَّه عنه.
و قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ أخبرنا أبو بكر احمد بن إسحاق أنا موسى بن الحسن ثنا عباد ثنا عفان بن مسلم ثنا السري بن يحيى ثنا محمد بن سيرين. قال: ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبى بكر. فبلغ ذلك عمر فقال: و اللَّه ليلة من أبى بكر خير من آل عمر، و ليوم من أبى بكر خير من آل عمر. لقد خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة انطلق إلى الغار و معه أبو بكر فجعل يمشى ساعة بين يديه و ساعة خلفه، حتى فطن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: «يا أبا بكر مالك تمشى ساعة خلفي و ساعة بين يدي؟» فقال: يا رسول اللَّه أذكر الطلب فأمشى خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشى بين يديك. فقال: «يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟» قال نعم و الّذي بعثك بالحق. فلما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول اللَّه حتى أستبرئ لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال: مكانك يا رسول اللَّه حتى أستبرئ.
فدخل فاستبرأ ثم قال: أنزل يا رسول اللَّه، فنزل. ثم قال عمر: و الّذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.
و قد رواه البيهقي من وجه آخر عن عمر و فيه: أن أبا بكر جعل يمشى بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تارة، و خلفه أخرى، و عن يمينه و عن شماله. و فيه أنه لما حفيت رجلا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حمله الصديق على كاهله، و أنه لما دخل الغار سدد تلك الأجحرة كلها و بقي منها جحر واحد، فألقمه كعبه فجعلت الأفاعي تنهشه و دموعه تسيل. فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا»
و في هذا السياق غرابة و نكارة. و قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ و ابو سعيد بن أبى عمرو.
قالا: ثنا أبو العباس الأصم ثنا عباس الدوري ثنا اسود بن عامر شاذان ثنا إسرائيل عن الأسود عن جندب بن عبد اللَّه. قال: كان أبو بكر مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الغار، فأصاب يده حجر فقال:
إن أنت إلا إصبع دميت* * * و في سبيل اللَّه ما لقيت
و قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنى عثمان الجزري أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ قال: تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، يريدون النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و قال بعضهم بل اقتلوه. و قال بعضهم بل أخرجوه. فأطلع اللَّه نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ذلك، فبات عليّ على فراش