البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٩ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
قال ابن إسحاق: ثم عمدا إلى غار بثور- جبل بأسفل مكة- فدخلاه، و أمر أبو بكر الصديق ابنه عبد اللَّه أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر. و أمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره، ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار.
فكان عبد اللَّه بن أبى بكر يكون في قريش نهاره معهم يسمع ما يأتمرون به، و ما يقولون في شأن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبى بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. و كان عامر بن فهيرة يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر فاحتلبا و ذبحا. فإذا غدا عبد اللَّه بن أبى بكر من عندهما إلى مكة أتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم يعفى عليه. و سيأتي في سياق البخاري ما يشهد لهذا.
و قد حكى ابن جرير عن بعضهم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سبق الصديق في الذهاب الى غار ثور، و أمر عليا أن يدله على مسيره ليلحقه، فلحقه في أثناء الطريق. و هذا غريب جدا و خلاف المشهور من أنهما خرجا معا.
قال ابن إسحاق: و كانت أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه عنها تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، قالت أسماء: و لما خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبى بكر، فخرجت اليهم فقالوا أين أبوك يا ابنة أبى بكر؟ قالت قلت لا أدرى و اللَّه أين أبى. قالت فرفع أبو جهل يده- و كان فاحشا خبيثا- فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي ثم انصرفوا. قال ابن إسحاق: و حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير أن أباه حدثه عن جدته أسماء قالت: لما خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و خرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله معه خمسة آلاف درهم- أو ستة آلاف درهم- فانطلق بها معه، قالت فدخل علينا جدي أبو قحافة- و قد ذهب بصره- فقال: و اللَّه إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه؟ قالت قلت كلا يا أبة إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت و أخذت أحجارا فوضعتها في كوة في البيت الّذي كان أبى يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده فقلت يا أبة ضع يدك على هذا المال. قالت فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذ كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن و في هذا بلاغ لكم، و لا و اللَّه ما ترك لنا شيئا و لكن أردت أن اسكن الشيخ بذلك.
و قال ابن هشام: و حدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبى الحسن البصري. قال: انتهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبو بكر إلى الغار ليلا، فدخل أبو بكر قبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلمس الغار لينظر أ فيه سبع أو حية، يقي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه. و هذا فيه انقطاع من طرفيه. و قد قال أبو القاسم البغوي حدثنا داود بن عمرو الضبيّ ثنا نافع بن عمر الجمحيّ عن ابن أبى مليكة: أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما خرج هو و أبو بكر إلى ثور، فجعل أبو بكر يكون أمام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مرة، و خلفه مرة. فسأله النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن