البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٧ - باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
ثم بعثتم بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها. قال فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: «نعم أنا أقول ذلك أنت أحدهم»
و أخذ اللَّه على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رءوسهم و هو يتلو هذه الآيات يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ الى قوله وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ و لم يبق منهم رجل الا و قد وضع على رأسه ترابا ثم انصرف الى حيث أراد أن يذهب فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا محمدا، فقال خيبكم اللَّه، قد و اللَّه خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا الا و قد وضع على رأسه ترابا، و انطلق لحاجته! أ فما ترون ما بكم؟
قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيقولون: و اللَّه إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام على عن الفراش فقالوا: و اللَّه لقد كان صدقنا الّذي كان حدثنا.
قال ابن إسحاق: فكان مما أنزل اللَّه في ذلك اليوم و ما كانوا أجمعوا له قوله تعالى وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ و قوله أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ قال ابن إسحاق فاذن اللَّه لنبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عند ذلك بالهجرة.
باب هجرة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه الكريمة من مكة الى المدينة و معه أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه
و ذلك أول التاريخ الإسلامي كما اتفق عليه الصحابة في الدولة العمرية كما بيناه في سيرة عمر رضى اللَّه عنه و عنهم أجمعين. قال البخاري حدثنا مطر بن الفضل ثنا روح ثنا هشام ثنا عكرمة عن ابن عباس. قال: بعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأربعين ستة، فمكث فيها ثلاث عشرة يوحى اليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، و مات و هو ابن ثلاث و ستين سنة. و قد كانت هجرته (عليه السلام) في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من بعثته (عليه السلام) و ذلك في يوم الاثنين كما رواه الامام احمد عن ابن عباس أنه قال: ولد نبيكم يوم الاثنين، و خرج من مكة يوم الاثنين، و نبئ يوم الاثنين، و دخل المدينة يوم الاثنين، و توفى يوم الاثنين.
قال محمد بن إسحاق: و كان أبو بكر حين استأذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الهجرة فقال له: لا تعجل لعل اللَّه أن يجعل لك صاحبا، قد طمع بأن يكون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنما يعنى نفسه، فابتاع راحلتين فحبسهما في داره يعلفهما اعدادا لذلك. قال الواقدي: اشتراهما بثمانمائة درهم.