البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٢ - باب بدء الهجرة من مكة إلى المدينة
تمتّ بأرحام اليهم قريبة* * * و لا قرب بالأرحام إذ لا تقرب
فأى ابن أخت بعدنا يأمننكم* * * و أية صهر بعد صهري يرقب
ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا* * * و زيل أمر الناس للحق أصوب
قال ابن إسحاق: ثم خرج عمر بن الخطاب، و عياش بن أبى ربيعة حتى قدما المدينة. فحدثني نافع عن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه. قال: اتعدنا لما أردت الهجرة إلى المدينة أنا و عياش بن أبى ربيعة و هشام بن العاص، التناضب من إضاة بنى غفار فوق سرف، و قلنا أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه، قال فأصبحت أنا و عياش عند التناضب و حبس هشام و فتن فافتتن، فلما قدمنا المدينة نزلنا في بنى عمرو بن عوف بقباء، و خرج أبو جهل بن هشام و الحارث بن هشام الى عياش- و كان ابن عمهما و أخاهما لامهما- حتى قدما المدينة و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمكة، فكلماه و قالا له إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك، و لا تستظل من شمس حتى تراك، فرق لها فقلت له إنه و اللَّه إن يريدك القوم الا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو اللَّه لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، و لو قد اشتد عليها حرمكة لاستظلت. قال فقال: أبر قسم أمى ولى هنالك مال فآخذه قال قلت و اللَّه إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالي و لا تذهب معهما. قال فأبى على الا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت أما إذ فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها، فان رابك من أمر القوم ريب فانج عليها. فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخى و اللَّه لقد استغلظت بعيري هذا أ فلا تعقبنى على ناقتك هذه قال بلى. فأناخ و أناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا، ثم دخلا به مكة و فتناه فافتتن. قال عمر: فكنا نقول لا يقبل اللَّه ممن افتتن توبة. و كانوا يقولون ذلك لأنفسهم حتى قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة و أنزل اللَّه قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَ أَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ، وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ قال عمر: و كتبتها و بعثت بها إلى هشام بن العاص. قال هشام: فلما أتتنى جعلت اقرأها بذي طوى أصعد بها و أصوب و لا أفهمها حتى قلت: اللَّهمّ فهمنيها، فألقى اللَّه في قلبي أنها إنما أنزلت فينا و فيما كنا نقول في أنفسنا، و يقال فينا، قال فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمدينة. و ذكر ابن هشام أن الّذي قدم بهشام بن العاص، و عياش ابن أبى ربيعة إلى المدينة، الوليد بن المغيرة سرقهما من مكة و قدم بها يحملهما على بعيره و هو ماش معهما، فعثر فدميت إصبعه فقال: