البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٢ - باب بدء إسلام الأنصار رضى اللَّه عنهم
قال ابن إسحاق: و حدثني عبيد اللَّه بن المغيرة بن معيقيب و عبد اللَّه بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بنى عبد الأشهل و دار بنى ظفر، و كان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة؟ فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر على بئر يقال له بئر مرق فجلسا في الحائط و اجتمع اليهما رجال ممن أسلم، و سعد بن معاذ و أسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومهما من بنى عبد الأشهل و كلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد لأسيد لا أبا لك انطلق الى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، و انههما أن يأتيا دارينا فإنه لو لا أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي و لا أجد عليه مقدما. قال فاخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل اليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه و قد جاءك فاصدق اللَّه فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. و قال موسى بن عقبة.
فقال له غلام: أتيتنا في دارنا بهذا الوعيد [١] الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل و يدعوهم اليه قال ابن إسحاق: فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته، و إن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال أنصفت، قال ثم ركز حربته و جلس اليهما فكلمه مصعب بالإسلام و قرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: و اللَّه لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في اشراقه و تسهله، ثم قال: ما أحسن هذا و أجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له تغتسل فتطهر و تطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى، فقام فاغتسل و طهر ثوبيه و تشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه و سأرسله اليكما الآن، سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته و انصرف إلى سعد و قومه و هم جلوس في ناديهم فلما نظر اليه سعد بن معاذ مقبلا. قال: أحلف باللَّه لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الّذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد ما فعلت؟ قال كلمت الرجلين فو اللَّه ما رأيت بهما بأسا. و قد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت، و قد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه و ذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك، قال فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا مخوفا للذي ذكر له من بنى حارثة و أخذ الحربة في يده ثم قال: و اللَّه ما أراك أغنيت شيئا، ثم خرج اليهما سعد فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتما ثم قال لا سعد بن زرارة: و اللَّه يا أبا أمامة و اللَّه لو لا ما بيني و بينك من القرابة ما رمت هذا منى، أتغشانا في دارنا بما نكره؟ قال و قد قال أسعد لمصعب: جاءك و اللَّه سيد من ورائه قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. قال فقال
[١] كذا بالأصل و لم أقف عليها. و لعلها الرعيد أي الخائف المضطرب.