البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٧ - فصل
قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، و أما الظاهران فالنيل و الفرات، ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت بإناء من خمر و إناء من لبن و إناء من عسل، فأخذت اللبن قال: هي الفطرة التي أنت عليها و أمتك. ثم فرض على الصلوات خمسون صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال بما أمرت؟ قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، و إني و اللَّه قد جربت الناس قبلك و عالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة، فارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عنى عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت الى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت بخمس صلوات كل يوم. قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، و إني قد جربت الناس قبلك و عالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربى حتى استحييت و لكن أرضى و أسلم.
قال فلما جاوزت ناداني مناد أمضيت فريضتي، و خففت عن عبادي». هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا. و قد رواه في مواضع أخر من صحيحه و مسلم و الترمذي و النسائي من طرق عن قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة. و رويناه من حديث أنس بن مالك عن أبى بن كعب. و من حديث أنس عن أبى ذر. و من طرق كثيرة عن أنس عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
و قد ذكرنا ذلك مستقصى بطرقه و ألفاظه في التفسير، و لم يقع في هذا السياق ذكر بيت المقدس، و كان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه أو يذكر ما هو الأهم عنده، أو يبسط تارة فيسوقه كله، و تارة يحذف عن مخاطبه بما هو الانفع عنده. و من جعل كل رواية اسراد على حدة كما تقدم عن بعضهم فقد أبعد جدا. و ذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء، و في كل منها يعرفه بهم، و في كلها يفرض عليه الصلوات. فكيف يمكن أن يدعى تعدد ذلك؟ هذا في غاية البعد و الاستحالة و اللَّه أعلم. ثم قال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ. قال: هي رؤيا عين أريها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة أسرى به الى بيت المقدس، و الشجرة الملعونة في القرآن. قال: هي شجرة الزقوم.
فصل
و لما أصبح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من صبيحة ليلة الأسرى جاءه جبرائيل عند الزوال فبين له كيفية الصلاة و أوقاتها، و أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أصحابه فاجتمعوا و صلّى به جبرائيل في ذلك اليوم الى الغد