البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٩ - فصل
ليلة أسرى به قبل مهاجره بستة عشر شهرا، فعلى قول السدي يكون الاسراء في شهر ذي القعدة، و على قول الزهري و عروة يكون في ربيع الأول. و قال أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا عثمان عن سعيد ابن مينا عن جابر و ابن عباس. قالا: ولد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول. و فيه بعث، و فيه عرج به إلى السماء، و فيه هاجر، و فيه مات. فيه انقطاع. و قد اختاره الحافظ عبد الغنى بن سرور المقدسي في سيرته و قد أورد حديثا لا يصح سنده ذكرناه في فضائل شهر رجب أن الاسراء كان ليلة السابع و العشرين من رجب و اللَّه أعلم. و من الناس من يزعم أن الاسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب و هي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة و لا أصل لذلك و اللَّه أعلم. و ينشد بعضهم في ذلك:
ليلة الجمعة عرج بالنبيّ* * * ليلة الجمعة أول رجب
و هذا الشعر عليه ركاكة و انما ذكرناه استشهادا لمن يقول به. و قد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك مستقصاة عند قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فلتكتب من هناك على ما هي عليه من الأسانيد و العزو، و الكلام عليها و معها ففيها مقنع و كفاية و للَّه الحمد و المنة.
و لنذكر ملخص كلام ابن إسحاق (رحمه اللَّه) فإنه قال بعد ذكر ما تقدم من الفصول: ثم أسرى برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى- و هو بيت المقدس من إيلياء- و قد فشا الإسلام بمكة في قريش و في القبائل كلها. قال و كان من الحديث فيما بلغني عن مسراه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن ابن مسعود و أبى سعيد و عائشة و معاوية و أم هانئ بنت أبى طالب رضى اللَّه عنهم و الحسن بن أبى الحسن و ابن شهاب الزهري و قتادة و غيرهم من أهل العلم ما اجتمع في هذا الحديث كل يحدث عنه بعض ما ذكر لي من أمره و كان في مسراه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما ذكر لي منه بلاء، و تمحيص و أمر من أمر اللَّه و قدرته و سلطانه فيه عبرة لأولى الألباب، و هدى و رحمة و ثبات لمن آمن و صدق و كان من أمر اللَّه على يقين، فاسرى به كيف شاء و كما شاء ليريه من آياته ما أراد حتى عاين ما عاين من أمره و سلطانه العظيم و قدرته التي يصنع بها ما يريد. و كان عبد اللَّه بن مسعود فيما بلغني يقول: أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالبراق و هي الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها في موضع منتهى طرفها فحمل عليها ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء و الأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس فوجد فيه إبراهيم و موسى و عيسى في نفر من الأنبياء قد جمعوا له فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية من لبن و خمر، و ماء. فذكر أنه شرب إناء اللبن، فقال لي جبريل هديت و هديت أمتك. و ذكر ابن إسحاق في سياق الحسن البصري مرسلا أن جبريل أيقظه ثم خرج به إلى باب المسجد الحرام فأركبه