المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٠٥ - حقيقة الوضع ، ومبدؤه
وإعمالا لملكة البيان التي أودعها الله في الانسان ولو مع الغفلة عن وجه مناسبة اللفظ للمعنى والجهة الموجبة لاختياره في أدائها ، بل ولو مع عدم تحديد طبيعة استعمال اللفظ في المعنى جريا من الانسان على مقتضى غريزته بصورة بدائية ، من دون تحديد تفصيلي للفظ ولا للمعنى ، نظير تعابير الطفل في أول نطقه ، ثم يتكامل بمرور الزمن ويتكامل الانسان ويدخله التطوير والتحسين بعد التنبه لفائدته وتحسسها .
لكن ذلك وإن كان قريبا لمقتضى طبع الانسان في التدرج ، إلا أنه يحتاج لمدة طويلة ، وهو لا يناسب ما تضمنته الآيات والأخبار المستفيضة من كلام آدم أبي البشر في مبدأ الخلقة مع الله تعالى ، ومع الملائكة والشيطان ، وكلامهم معه ، حيث يظهر منه التوجه في أول الامر للبيان بصورة منظمة ووجود لغة كافية في أداء المقاصد وعملية التفاهم .
ومن هنا كان من القريب جدا أن الله تعالى قد ساعد الانسان في مبدأ الخلقة فألهمه فعلية البيان كما أودع فيه ملكته ، وهداه لمجموعة من الألفاظ تفي بأغراضه فتكلم بها بطبعه ، من دون أن تكون مسبوقة بالوضع ، وجرى عليها حتى تكونت اللغة الأولى ، ثم خضعت بعد ذلك لنظام التطوير والتغيير والتبديل تبعا لتجدد الحاجة وتشعبها ، كما هو الحال في سائر شؤون حياته .
وربما تشعبت اللغات منها ، كما ربما يكون تعدد اللغات بفيض منه تعالى دفعي إعجازي ، كحدوث اللغة الأولى ، كما قد يظهر من بعض الاخبار .
ولعل هذا مراد من يقول إن الواضع هو الله تعالى . وربما يكون مرادهم أمرا آخر . ولا مجال لإطالة الكلام فيه ولا في بقية المباني المذكورة في مبدأ الوضع بعد عدم ظهور الثمرة لذلك .