التربية الروحية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٦٣ - التعريف الأول للغزالي في إحياء العلوم
تستعد النفس لأن يصدر منها الإمساك أو البذل، فالخلق إذن عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة»[١].
وفي قوله «الخُلُق عبارة عن هيئة للنفس راسخة ...» إشارة إلى وجود هيئات للنفس غير راسخة أيضاً، إذ الهيئات في الإنسان على قسمين:
الأول: هيئات غير راسخة: وهي الهيئات التي تزول بسرعة كاحمرار وجه الإنسان عند الخجل أو اصفراره عند الخوف.
الثاني: هيئات راسخة: وهي الهيئات التي لا تزول؛ إما لا تزول أصلًا كلون الإنسان مثلًا لأنها غير اختيارية، أو لا تزول بسهولة، وإذا زالت لسبب ما فإنها سرعان ما ترجع مرّة أخرى وهذه مورد بحوثنا
وتسمى بالملكات الاختيارية كالعدالة والشجاعة. فالعادل قد يرتكب ما ينافي العدالة ولكنه سرعان ما يندم على فعلته ويعود إلى عدالته، وهذا معنى قولنا: إن العدالة هيئة راسخة في وجود مثل هذا الإنسان.
ثم اشترط السهولة واليسر في صدور الأفعال عن هذه الهيئات، قال: «هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر ...» فلو صدرت هذه الأفعال من فاعلها بصعوبة وتردّد لما عدت له تلك الصفة مَلكة وخُلقاً، فمن يتردّد مرّات عديدة قبل أن يتصدّق على فقير لا يعد سخياً، ومن يقدّم رجلًا ويؤخّر أخرى في ساحة الحرب لا يعدّ شجاعاً،
[١] -() إحياء علوم الدين، تصنيف الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، المتوفى سنة ٥٠٥ ه، دار المعرفة، بيروت لبنان، ج ٣ ص ٥٣.