التربية الروحية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٦٢ - التعريف الأول للغزالي في إحياء العلوم
فالخُلُق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة. فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عَقلًا وشرعاً، سمّيت تلك الهيئة خلقاً حسناً، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة، سُمّيت الهيئة التي هي المصدر خلقاً سيئاً، وإنما قلنا إنها هيئة راسخة، لأن من يصدر منه بذل المال على الندور لحاجة عارضة، لا يقال
خلُقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ. وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة من غير رويّة، لأن من تكلّف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد ورويّة لا يقال خلقه السخاء والحلم. فهاهنا أربعة أمور:
أحدها: فعل الجميل والقبيح.
الثاني: القدرة عليهما.
الثالث: المعرفة بهما.
الرابع: هيئة للنفس بها تميل إلى أحد الجانبين ويتيسر عليها أحد الأمرين إما الحسن وإما القبيح.
وليس الخُلق عبارة عن الفعل، فربّ شخص خُلُقه السخاء ولا يبذل إما لفقد المال أو لمانع. وربما يكون خُلقه البخل وهو يبذل إما لباعث أو لرياء. وليس هو عبارة عن القوة (القدرة)، لأن نسبة القوة إلى الإمساك والإعطاء، بل إلى الضدين واحد، وكل إنسان خُلق بالفطرة قادراً على الإعطاء والإمساك، وذلك لا يوجب خلق البخل ولا خلق السخاء. وليس هو عبارة عن المعرفة، فإن
المعرفة تتعلّق بالجميل والقبيح جميعاً على وجه واحد، بل هو عبارة عن المعنى الرابع، وهو الهيئة التي بها