التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٧ - (ثانيا) طريقة التفكير واسلوبه
المحاورة العلمية الرصينة، فهو يُعلّمنا أن ننطلق أولًا من مُسلّمةٍ لدى الطرفين، أو من افتراض مقبول، وهو ما صرّح به القرآن قائلًا: «وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ»،[١] ثمّ لتبدأ المحاورة بعد ذلك ولكن على شرط أن يقدّم كلّ واحد دليلًا على ما يقوله، قال تعالى: «قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ»،[٢] وهو يشترط في الدليل أيضا أن يكون علما أي أمرا يقينيّا، لأنَّ غير العلم لايجدي ولا ينتج المطلوب، قال تعالى: «وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً».[٣]
ثمّ إذا استقرّ الحقّ وثبت الأمر بالبرهان والدليل القاطع فلابدّ حينئذٍ من التصديق به واعتماده، والإقرار به، قال تعالى: «فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ»،[٤] وهنا لفتةٌ بارعة في ضرورة استثمار الحقيقة والانصياع اليها.
وهكذا، فإنَّ القرآن الكريم عندما يضع بين أيدينا مثل هذا المنهج ويدعونا إلى التمسّك به فلكي ينتهي الإنسان إلى حالة الاطمئنان (الطمأنينة الداخلية) فيزيح عن نفسه وعن عقله كلَّ وهمٍ وخرافةٍ وشكّ، فيعيش حينئذٍ هادي البال يسهمُ في البناء والتقدّم في الحياة الإنسانية غير مضطربٍ ولامشدود الأعصاب، وعند ذاك يكون القرآن قد أرسى مرتكزا أساسيا من مرتكزات البناء الحضاري وفي تخليص الإنسان من الهواجس والظنون من خلال التأكيد على اعتماد المنهج العلمي في التفكير، فضلًا عمّا يعنيه ذلك أيضا من تعميم المعرفة وشموليّتها وعدم اقتصارها على قطّاع أو طائفةٍ أو طبقةٍ معيّنةٍ، وهذه قيمة حضارية كبرى وميزة عظيمة ينفرد بها القرآن الكريم في إطار نظريته في المنهجة والتقنين.
*** إنّ القرآن الكريم يتّجه فعلًا- وفي سبيل إثبات مصداقيّته في وفائه بالحاجات الأساسية، و تنظيم العلاقات داخل الإطار الاجتماعي- إلى تقديم اطروحته فيحدّد القواعد
[١] - سبأ ٢٤: ٣٤.
[٢] - البقرة ١١١: ٢، الأنبياء ٢٤: ٢١، النمل ٦٤: ٢٧.
[٣] - النجم ٢٨: ٥٣.
[٤] - يونس ٣٢: ١٠.