التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧ - الماء أصل الحياة
أحسنها- ما قاله القفّال: إنّ قوله «من ماء» صلة «كلَّ دابّة»، وليس من صلة «خَلقَ».
والمعنى: أنّ كلّ دابّة متكوّنة من الماء- أي متولّدة من انعقاد النطفة- فهي مخلوقة للّه تعالى. (الثاني) أنّ أصل جميع المخلوقات من الماء، لأنّ الماء هو الأصل الأول الذي خلقه اللّه، كما ورد في الحديث: أول ما خلق اللّه الماء. (الثالث) أنّها متولّدة من النطفة، أو لأنّها لاتعيش إلّا بالماء.[١]
*** ولكنّ المحقّقين من أهل التفسير لم يزالوا على القول بأنّ المراد من هذا الماء هو الذي منه أصل جميع المخلوقات، فإنّ من الماء نشأت الحياة وبذرت بذرتها الاولى، بشكل حيوان بسيط ذي خليّة واحدة (الأميبا)[٢] وارتقت إلى حيوانات معقّدة الأعضاء ذوات الخلايا العديدة، فوق الملايين. أمّا كيف وجدت أول ما وجدت الحياة- في المياه:
البحار والبحيرات والمستنقعات- فهذا ممّا لم يجد له العلم إجابة صحيحة صالحة للقبول على مسرح العلوم التجريبية المجرّدة.
ومن ثمّ فإنّ نظرية التطوّر في الحياة- على أنحائها وأشكالها- إنّما تبتدئ من عصر ما بعد الخليّة، أمّا عصر ما قبلها فمجهول، سوى أنّه أمرٌ تحقّق بإرادة اللّه المهيمن على مقدّرات هذا الكون، الأمر الذي لامحيص عن الإذعان به مادام التسلسل باطلًا وكان التولّد الذاتي مستحيلًا، وقدأبطله العلم على أساس التجربة أيضاً.
قال سيّدنا الاستاذ الطباطبائي قدس سره- عند قوله تعالى: «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ»-: والمراد أنّ للماء دخلًا تامّاً في وجود ذوي الحياة، كما قال «وَ اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ
[١] - المصدر، ص ١٦.
[٢] - قد بسط الاستاذ الطنطاوي الكلام حول هذا الحيوان ذي الخليّة الواحدة في تفسيره الجواهر( ج ١٢، ص ٢٢٥- ٢٢٦) عند قوله تعالى:« وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً». الفرقان ٥٤: ٢٥.
ولشيخنا الاستاذ محمّد تقي الفلسفي أيضاً مقال لطيف حول مسألة الحياة، بحث فيه على ضوء الآراء الحديثة عن الحياة ونشأتها وتطوّرها، على اسلوبه الشيّق. فراجع: تفسيره لآية الكرسي، ص ٣٩- ٩٨.