التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٧ - عقيدة اليونان الأساطيرية
الدوام، وأن يقيم الاحتفالات السحرية ليطردها بها.
*** وأوشكت هذه الخرافات أن تكون علما من العلوم الطبيعية، وكانت إلى حدٍّ مّا سوابق لنظرية الجراثيم التي نعرفها اليوم. فقد كان معنى الأمراض جميعها عند اليوناني أنّ المريض قد حلّ فيه روح غريب. وأنَّ من يلمس الشخص المريض يعدى بقذارته أو «يلبسه ذلكالروح الغريب نفسه». وليست المكروبات والبكتريا إلّا صورا جديدةً شائعةً لما كان اليونان يسمّونه كريس أو الجنّ الصغيرة. ومن ثمّ كان الميّت «نجسا» لأنّ الجنّي قد استحوذ عليه كلّ الاستحواذ. وكان اليوناني إذا خرج من بيت فيه ميّت رشّ نفسه بالماء من إناءٍ يوضع لهذا الغرض عند باب البيت. وذلك لكي يطرد من جسمه الروح الذي غلب الميّت على أمره.
وكان الجماع من أسباب النجاسة، كولادة الطفل أو القتل (ولو كان غير متعمّد). وكان الطفل المولود نفسه نجسا، ولم يكن الجنون إلّا حلول روح غريب في جسم المصاب به، وكان يقال: إنّ المجنون قد خرج عن نفسه. وكان لابدّ في هذه الحالات من القيام باحتفال يطهر فيه الشخص النجس.
وكانت المنازل والهياكل والمدن بأجمعها في بعض الأحيان تطهر بالماء أو الدخان، وكان وعاء به ماء نظيف يوضع عند مدخل كلّ هيكل، حتّى يطهّر به نفسه كلّ قادم للتعبّد، أو لعلّ هذا الدعاء كان رمزا يوحي إلى الناس بضرورة التطهّر.
وكان الكاهن نفسه خبيرا باصول التطهير، وكان في مقدوره أن يطرد الأرواح الشرّيرة من الأجسام بالضرب على إناء من البرنز، أو بقراءة العزائم، أو بالسحر أوالصلاة.
وحتّى قاتل النفس عمدا كان يمكن تطهيره إذا اجريت له الطقوس والمراسم الملائمة.
ولم تكن التوبة ضرورة محتومة في مثل هذه الأحوال، بل كلّ ما كان يحتاجه المتطهّر هو أن يتخلّص من الشيطان الشرّير الذي تقمّصه، وذلك لأنّ الدين لم يكن أمر أخلاق عند