التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٨ - (ثانيا) طريقة التفكير واسلوبه
الملزمة والمناهج العملية في هذا الإطار بشكل قوانين حقوقية أو جزائية وماشاكل.
والقاعدة القانونية باعتبارها قاعدة سلوك ونظام يتحتّم الخضوع لها. أمّا مضمون القاعدة من الناحية العملية فهو تخويل الفرد حقّا أو فرض واجب عليه.[١]
وقد مُثّل لذلك بالقاعدة التي تقضي بأنّ العقود المنشأة على الوجه القانوني تلزم المتعاقدين.
ولتصوير هذه المسألة في القرآن فإنّنا نجد النصّ على لزوم الوفاء بالعقد المُنشأ على الوجه الشرعي. يتبيّن ذلك في قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»،[٢] والآية تتضمّن صفة الإلزام.
وهي بضميمة قوله تعالى: «وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ»[٣] الّتي مقتضاها النهي عن الأكل بالباطل، بمعنى إجراء العقد على خلاف الشرع،[٤] فيتحصّل لدينا نصٌّ قانونيٌّ محدّد.
وقد ذهب الفقهاء إلى أصالة اللزوم في العقود.
ثمّ إنّ القانون- في تنظيمه لسلوك الأفراد وعلاقاتهم في المجتمع- إنّما يفعل ذلك ببيان حقوقهم وواجباتهم. والقاعدة القانونية بلحاظ أنّها قاعدة اجتماعية تفرض نظاما معيّنا، وهي ذاتُها التي تخوّل الحقّ فتضع بين يدي الشخص سلطة تمكّنه من أن يعمل على وجه معيّن، في علاقته بغيره، أو تفرض عليه واجبا في هذا السبيل.
وهنا يلزم التنبيه إلى أمرٍ مهم، وهو أنَّ القرآن الكريم وإن اعتنى عنايةً مباشرة بعملية التقنين والتشريع في نطاق الاسرة والمجتمع، ولكنّه أوكل جانبا من ذلك إلى النخبة المتخصّصة (أي الفقهاء) كما أشار إلى ذلك في قوله تعالى: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ».[٥] وهي قيمة حضارية كبرى ينبّهُ إليها القرآن العظيم، وهي احترام ذوي الاختصاص وهم الفقهاء، في هذا الصدد، أي في سَنّ القوانين ليكون في مجال ما اصطلح عليه بمنطقة الفراغ.
[١] - مبادئ القانون.
[٢] - المائدة ١: ٥.
[٣] - البقرة ١٨٨: ٢.
[٤] - الكشاف، ج ١، ص ٢٣٣.
[٥] - التوبة ١٢٢: ٩.