التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٦ - (ثانيا) طريقة التفكير واسلوبه
إنَّ القرآن الكريم من خلال ذلك كلّه يريد أن يقول لنا: إنَّ البحث والتأمّل في الآفاق وفي الأنفس وفي ما حولنا يجب أن يلتزم البرهان والدليل ويتوسّل بالحسّ والتجربة كلّما أمكن ذلك، قال تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ».[١]
ولكن ماهي الخطوات التي يمكن أن تتبع للوصول إلى الحقائق وتأسيس القناعة المطلوبة فيكون المنهج الذي يحدّده القرآن ويضعه بين أيدينا منهجا علميا منتجا.
إنّ القرآن الكريم يدعوا إلى عملية التأمّل أولًا، والتأمّل هنا عملية التفكير، يمكن أن تتمّ بانفراد، وهذا هو الشائع، ويمكن أن تتمَّ بصورة مشتركة، وهذه التفاتة بارعة من القرآن الكريم في التنبيه إلى أهمّية البحث والتفكير المشترك، قال تعالى: «قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَ فُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ...».[٢]
ثمّ يتّجه القرآن الكريم إلى الدعوة لطرح الافتراضات الممكنة «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ».[٣] ثمّ يصعد إلى مرحلة اختبار الافتراض وتقليب الوجوه في المسألة، قال تعالى: «أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ. أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ»،[٤] وقال تعالى:
«أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ. أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ».[٥]
إذا هكذا في خطوات علمية: فرض، واختبار الفرض، واستنتاج مبنيّ على المنطق والتجربة والعقل، يرسم القرآن الكريم أبعاد المنهج، ويدعو إلى التمسّك به في سائر المجالات، قال تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ».[٦]
وأخيرا، ولمّا كان الحوار أساسا مهمّا سواء مع الذات أو مع الآخرين أو في عملية التفكير والبحث المشترك- كما دعا إليه القرآن- فإنّه يدلّنا (أي القرآن) على اسلوب
[١] - فصّلت ٥٣: ٤١.
[٢] - سبأ ٤٦: ٣٤.
[٣] - الطور ٣٥: ٥٢.
[٤] - الواقعة ٥٨: ٥٦- ٥٩.
[٥] - الواقعة ٦٣: ٥٦- ٦٤.
[٦] - الزمر ٢١: ٣٩.