التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٨ - تخلخل الهواء في أطباق السماء وعندها تتضايق الأنفاس
ولفظة «التصعّد» تعطي معنىً آخر هو: تضايق النفس وكربة الصدر والتحرّج، يقال:
تصعّد نَفَسُه أي صَعُب عليه إخراجه. كما يطلق «الصَعُود» و «الصَعَد» على العقبة الكؤودة، ويستعاران لكلّ أمر شاقّ متناهٍ في المشقّة. قال تعالى: «وَ مَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً».[١] أي شاقّا أليما للغاية. وقال: «سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً»[٢] قال الراغب: أي عَقَبة شاقّة.
إذا فمعنى «كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ»: يكابد الأمرّين وتتضايق عليه الحياة، كمن يتضايق صدره ويتحرّج عليه التنفّس في جوّ خانق، لايصل الهواء الكافي إلى رئتيه، وهذا كمن يحاول العيشة في جوّ السماء المتخلخل الهواء.
وتوضيحا لهذا الجانب من تفسير الآية وبيان وجه الشبه لابدّ أن نمهّد مقدّمة:
كان المعتقد قديما أنّ الهواء لاوزن له، حتّى سنة ١٦٤٣ م، التي قد تمّ فيها اختراع آلة المرواز (بارومتر) على يد «تروشللي»، وبواسطتها عرف وزن الهواء. فتبيّن عند ذاك أنّ الهواء مكوّن من مجموعة من الغازات، لكلّ منها وزن معيّن. ويعرف وزن الهواء فوق أي نقطة معيّنة بالضغط الجوّي، ويمكن قياسه بواسطة البارومتر. وقد عرف الآن أنّ هذا الضغط عند مستوى البحر يعادل ثقل عمود من الزئبق ارتفاعه حوالي ٧٦ سم مكعب.
وهذا يساوي من الثقل زهاء ألف غرام على كلّ سانتيمتر مربّع.
وقدّر متوسّط ضغط الهواء على إنسان عند سطح البحر مايعادل ١٤ طنّا، أي ١٤ مليون غرام، لكنّه على ارتفاع ٥ كيلو مترات من سطح البحر، يقلّ هذا الوزن إلى ٧ ملايين غرام، فكلّما ارتفعنا عن سطح البحر، ينقص الضغط، خصوصا في طبقات عليا من الهواء، حيث تقلّ كثافة الهواء فيخفّ وزنه بنسبة هائلة.
والواقع أنّ نصف الغاز الهوائي- أي كثافة الغلاف الهوائي، سواء من حيث الوزن أم من حيث الضغط- يقع بين سطح البحر وارتفاع ٦ آلاف متر. كما أنّ ثلاثة أرباعه تقع تحت مستوى ١٢٠ ألف متر.
[١] - الجنّ ١٧: ٧٢.
[٢] - المدّثر ١٧: ٧٤.