التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٠ - المثل الأعلى في الإسلام
وربّما ظنّ المشركون أنّ اللّه قد خلقهم لهوا وهزؤا فبلّغهم يا محمّد إنّهم مخطئون في ظنّهم، وإنّ إلينا النشور، وحينئذٍ ننبئهم بكلّ مافعلوا. أمّا أنت وأصحابك فقولوا: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا»[١] واغفر لنا ذنوبنا واعفُ عنّا واغفرلنا وارحمنا إنّك أنت الغفور الرحيم.
وثِقوا جميعا أنّه لن تحمل «وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى»[٢] فكلّ نفس بما كسبت رهينة. وأنّ ربّكم لن يعذّب أحدا كما أنّه لم يعذّب من قبل إلّا بعد أن يرسل رسولًا ... واذكروا:
«وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا».[٣]
وهكذا يمضي هذا الكتاب الرائع، مناشدا أنبل مشاعر الإنسان، وضميره الداخلي وإدراكه العقلي، عارضا ثمّ مبرهنا على بشاعة المعتقدات الوثنية وانحطاطها. وقلّما تخلو سورة من سوَر القرآن من عبارة بليغة متألّقة عن قدرة اللّه وعطفه ووحدانيّته. ومع هذا فقد أساء الكتّاب المسيحيّون إدراك المفهوم الإسلامي لقدرة الذات الإلهية، فجعلوا يصوّرون إله المسلمين على أنّه «عديم الشفقة، طاغية يلعب بمقدرات الإنسانية كما يلعب المرء بحجارة الشطرنج». وقالوا: «إنّه يقوم بما يقوم به دون أيّ اعتبار لتضحيات البشر». هكذا زعموا، فلنر ما إذا كان هذا التقدير صحيحا.
إنّ إله المسلمين هو القويّ العليم العدل ربّ العالمين، فاطر السموات والأرض، وهو الذي ذرأ الحياة، وكتب الموت، بيده السيطرة على كلّ شيء، وهو الأوّل والآخر، وصاحب القوّة التي لاتقاوم، وهو العظيم القويّ الذي استوى على العرش. إنّ اللّه هو القويّ، الرحيم، العليّ، الخالق، الصانع، المصمّم، العاقل، العادل، الحقّ، السريع الحساب.
إنّه هو الذي يعرف مثقال الذرّة من خير أو شرّ عمله الإنسان، وهو الذي لايضيع أجر من أحسن عملًا. والحقّ أنّ هذا الرحيم العادل هو أيضا الملكُ القدّوس السلام المؤمن المهيمنُ الحارسُ على مصالح عباده. وهو كذلك ملجأ العاجز ومرشد الضالّ، والمعطي الوهّاب، صديق المحروم، ومستشار المظلموم، في يده كلّ الخير، وهو السيّد الكريم،
[١] - البقرة ٢٨٦: ٢.
[٢] - ذكرت في القرآن في خمسة مواضع.
[٣] - الإسراء ١٥: ١٧.