التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٦ - الحرية والمساواة في ظل الإسلام
والذي عمله الإسلام ذلك الوقت هو أنّه لم يكتف بذلك التحرير الروحي، بل تجاوزه إلى تحرير واقعي (خارجي) وبنى قاعدته الأساسية العظمى وهي: المساواة الكاملة بين البشر، وهو تحرير كامل لكلّ البشر. ولذلك عمل فعلًا على تحرير الأرقّاء بوسيلتين كبيرتين: هما العتق والكتابة- على مامرّت عليك-.
وبذلك كان الإسلام قد خطا خطوات فعليّة واسعة في سبيل تحرير الأرقّاء.
لكن لماذا لم يخط خطوته النهائية، ولم يقل كلمته الأخيرة حينذاك؟
ومن ثمّ قد يخطر بالبال: إذا كان الإسلام قد خطا هذه الخطوات كلّها نحو تحرير الأرقّاء، وقد سبق العالم كلّه متطوّعا غير مضطرّ ولامضغوط عليه، فلماذا لم يخط الخطوة الحاسمة الباقية، فيعلن بصراحة كاملة إلغاء الرقّ من حيث المبدأ، وبذلك يكون قد أسدى للبشرية خدمةً كبرى، فيكون هو النظام الأكمل والجدير بأن يصدر عن اللّه الذي كرّم بني آدم وفضّلهم على كثير ممّن خَلَق؟
لكن ينبغي قبل كلّ شىء أن نُدرك حقائق اجتماعية وحياتية وسياسية واقتصادية، كانت أحاطت بمسألة الرقّيّة في العالم المتحضّر آنذاك، وكانت سبب تأخير هذا الإعلان المرتقب بإلغائها.
يجب أن ندرك أنّ الإسلام جاء والرقّ نظام معترف به في جميع أنحاء العالم، بل كان عملة اقتصادية واجتماعية متداولة، لايستنكرها أحد، و لا يفكّر في إمكان تغييرها أحد، لذلك كان تغيير هذا النظام أو محوه أمرا يحتاج إلى تدرّج شديد وزمن طويل. وقد احتاج تحريم الخمر وإبطالها إلى بضع سنوات، في حين أنّها كانت عادة شخصية، وربما كان بعضهم يتعفّفون عنها، ويرون خبثها وقذارتها، بما لايليق بذوي النفوس العالية. والرقّ كان أعمق في كيان المجتمع ونفوس الأفراد، ولم يكن أحد يستنكره- كما أسلفنا- لذلك كان إبطاله في حاجة إلى زمن أطول بكثير، ممّا لاتتّسع له حياة الرسول صلى الله عليه و آله، وهي الفترة التي كان ينزل فيها الوحي بالتنظيم والتشريع، واللّه أعلم بمن خلق وبما خلق.
فالذي قدّمه الإسلام هو تمهيد السبيل لإبطال هذا النظام رأسا، ولعلّه كان لوقت