التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧١ - عبادات الإسلام
و كانت قضية تحوّل هذه الأعياد غير المنتظمة إلى لاشيء ثمّ اندثارها وزوالها بعد اشتراعها بفترة وجيزة، قضية زمن لاأكثر.
وذلك على خلاف ما جاء في الإسلام، حيث يكون كلّ فرد مسلم ثريّ نسبيّا- بحكم القاعدة الشرعية- ملزما بأن يساهم بقدر معيّن في قسط من أمواله في مساعدة إخوانه الفقراء. هذا بالإضافة إلى ما يخرجه ربّ الاسرة في كلّ يوم عيد الفطر من الزكاة عن أهله بقدر معيّن من الطعام والأرزاق إلى الفقراء. وهكذا الفريضة السنوية في أرباح المكاسب، وغير ذلك ممّا فرضه اللّه في أموال الأغنياء لمساعدة الفقراء.
قال سيّد مير عليّ الهندي: بهذا زها مجد الإسلام، حين جسّد مشاعر المسيح وكساها لحما ودما بأن جعلها قوانين صارمة محدّدة.[١]
*** أمّا الحكمة التي تتضمّنها تلك العادة التي أرساها الزمن- وهي عادة الحجّ السنوي- فقد ظهرت في الإسلام نوعا من الرأفة الأخوية الحرّة في الدين، بالرغم من اختلاف الشيع والطوائف والانشقاقات. وحين تكون جميع العيون متّجهة نحو بقعة مركزية هي مكّة المكّرمة والبيت العتيق فإنّ تلك الحالة تبقى متوهّجة في فؤاد كلٍّ منهم في ظلال ذلك النور المقدّس الذي بدّد ظلمات التاريخ في ذلك القرن.
والحقّ أنّ الإسلام لم يعرف أيّة عبادة من شأنها أن تشوّش الفكر فيما يتعلّق بوحدانية اللّه، كما أنّه لم يعرف أي تشريع من شأنه أن يعيق تطوّر ضمير الإنسانية أو يخالف فطرته. ليس الدين نظرية غريبة، شأنها إدخال الرضا والسرور في نفوس أصحاب العقول الحالمة. إنّ الدين قانون للحياة، وهكذا ينبغي أن يكون. أمّا غرضه فهو الارتقاء بالإنسانية إلى مدارج الكمال الذي هو غاية الوجود.
ولهذا السبب فإنّ الدين الذي يقيم المبادئ الخلقية الرئيسية على أساس قواعد راسخة منظّمة، كما ينظّم العلاقات الاجتماعية ووشائج القرابة الإنسانية، والذي يقرب الإنسان أكثر فأكثر- عن طريق تمشّيه مع تطوّر العقل- نحو الإنسان الكامل، ذلك الدّين
[١] - روح الإسلام، ص ١٩٨.