التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٩ - عبادات الإسلام
وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ».[١]
وقد أعلن أنّ الصلاة دون حضور القلب لاجدوى منها، وأنّ كلمات اللّه التي وجّهها إلى الناس كافّة لا إلى شعب بمفرده يجب أن تتمّ دراستها بالقلب والشفتين في انسجام تامّ، وأن يصدّقه العمل الصالح في وئام. ومن ثمّ اعتبر طهارة الثوب والبدن- إلى جنب طهارة النفس بالوضوء والاغتسال- والتقرّب إلى رضوانه تعالى، الأمر الذي يختلف تمام الاختلاف عن الصلوات في سائر الأديان.
*** أمّا تشريع الصيام فقد وجد بأشكال اخر بين سائر الامم. بيدَ أنّه يمكن القول بأنّه طوال التاريخ القديم ظلّت فكرة الصيام تقوم على أساس الندم ومعاقبة النفس، لاعلى أساس الترفّع عن مهابط المادّة، كما في الإسلام. نعم، ظلّ الميل إلى قبول فكرة الصيام على أنّها كبت لشهوات النفس متأخّرا، وكانت طائفة من اليهود (الاسينيّون)- نتيجة لاتّصالهم بالفيثاغوريين، وعن طريق هؤلاء اتّصلوا بزهد الشرق الأقصى ونسكه- استطاعت أن تدرك العنصر الأخلاقي في مبدأ الصيام.
كما أنّ الفكرة السائدة في المسيحية فيما يتعلّق بالصيام فكرة عامّة تعود في أصلها إلى العقوبة والتكفير. وقد ظلّ التعذيب الجسدي التطوّعي يتكرّر في الكنيسة المسيحية كما هو في الكنائس الاخرى. ولكن ميل هذا الأذى كان يتّجه دائما نحو تحطيم الطاقات الجسدية والملكات العقلية من أجل تغذية الصوفية الحالمة والزهد الخانع الذليل.[٢]
أمّا تقرير فرض الصيام في الإسلام فهو على النقيض من ذلك.
إنّ الهدف الأساسي من تشريعه هو كبح جماح الشهوات، والترفّع لفترة معيّنة من الوقت عن جميع لذائذ الحواس، و كذا توجيه حصر النشاطات البهيمية في النفس البشرية
[١] - البقرة ١٧٧: ٢.
[٢] - راجع: روح الإسلام للسيد مير علي، ص ١٩٦.