التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٣ - (أولا) الدعوة إلى التفكير
أو إلى سنّة نبيّه صلى الله عليه و آله أو إلى خلفائه المعصومين الذين يمثّلون امتداده التشريعي.[١]
*** و ممّا لا شكّ فيه أنَّ الحاجة إلى منهج في التفكير لضبط العمليات و الأنشطة العقلية المتنوّعة أمرٌ على غايةٍ من الأهمّية و الخطورة،
ليس على مستوى تجنيب الإنسان حالة التخبّط والفوضى والاضطراب فحسب- وهذا أمرٌ يُشكّل مرتكزا مهمّا في أيّ بناءٍ حضاريّ- وإنّما لما لذلك المنهج من دور خطيرٍ أيضا ينعكس على ضبط الفعّاليات الاجتماعية والأنشطة الاخرى، وله انعكاساته الجدّية أيضا على المسيرة العلمية والتطوّرية باتجاه الترقّي والبناء (عمارة الكون) ومن هنا كان اهتمام القرآن جدّيا وأساسيا في دعوة الإنسان إلى امتلاك منهجٍ صحيح وسليم في التفكير.
إنَّ هذا الأمر لايطرحه القرآن على أنّه موعظة، بل هو يجعل التفكير فريضةً على كلّ مُسلمٍ. فامتلاك منهج التفكير الصحيح والوصول إلى الحقائق لم يُوكله القرآن إلى نخبةٍ أو إلى طبقةٍ معيّنة- كما حصل مثل هذا في عملية استنباط الحكم الشرعي، إذ أوكل العملية في هذا المجال إلى المتخصّصين من الفقهاء. وفي هذا قيمة حضارية وهي احترام ذوي الاختصاص- وإنّما جعل مهمّة التفكير الفلسفي وامتلاك المنهج وظيفة كلّ فردٍ على التعيين. والقرآن هنا وإنْ قَرّرَ ذلك وأكّده مرارا إلّا أنّه لم يترك الإنسان نهبا للمناهج غير السليمة أو المنحرفة تتناهبه ذات اليمين وذات الشمال، بل وضع أمامَهُ المنهج المستقيم محدّدا أبعادَه ومعالمَهُ، مبيّنا عناصره وآفاقه، وكما يأتي:
(أولًا) الدعوة إلى التفكير
إنَّ الدعوة إلى التفكير وامتلاك المنهج تأخذ بُعدين في نظر القرآن الكريم:
أولهما: دعوة الإنسان إلى تدبّر آيات الكون وصفحات الوجود وآفاقه، وذلك من خلال الكشف عن حقائقه المذهلة، وعرض تجلّيات القدرة الخلّاقة، وصور الإبداع في هندسة الوجود، وهذا يعني الحثّ على التأمّل الجدّي، وتعقّل ماوراء ذلك. قال تعالى: «إِنَ
[١] - مصدر التشريع للسيد الهاشمي، ص ٧٠.