التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٢ - لاشعوبية في الإسلام
النسب والأصالة الذاتية، الكائنة في كلّ أبناء آدم وحوّاء؟ كلّا ثمّ كلّا.
نعم، إنّ الذي يفيده هذا الاختلاف في المعيشة وأسبابها وسائر أنحاء الاختلاف إنّما يفيد تعارفا وتفاهما بين الشعوب، فتتعرّف كلّ امّة ما اكتسبته امّة اخرى من علوم ومعارف وفنون، وآداب وأخلاق وسلوك، فيختاروا أحسنها وأنسبها بالحالة التي هم عليها. «فَبَشِّرْ عِبادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ».[١]
فلا فضل لُامّة على اختها ولاشعب على آخر، إلّا بمقدار تعهّداتها في الحياة، ورعايتها للكرامة الإنسانية العليا. لاشرف إلّا بالتقوى وهو التعهّد بمبادئ الإنسانية الكريمة، على شرط أن لايفخر المتفضّل على غيره، وإنّما يترخّم عليه لينتشله ويأخذ بيده صُعدا على مدارج الكمال.
قال سيد قطب: القرآن يهتف بالإنسانية جميعها على اختلاف أجناسها وألوانها، ليردّها إلى أصل واحد، وإلى ميزان واحد، هو الذي تقوم به تلك الجماعة المختارة الصاعدة إلى ذلك الافق السامق.
يا أيُّها الناس المختلفون أجناسا وألوانا، المتفرّقون شعوبا وقبائل، إنّكم من أصل واحد. فلا تختلفوا ولاتتفرّقوا ولاتخاصموا ولاتذهبوا بددا.
«يا أَيُّهَا النَّاسُ» والذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم «مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى» وهو يطلعكم على الغاية من جعلكم «شُعُوباً وَ قَبائِلَ» إنّها ليست التناحر والخصام، إنّما هيالتعارف والوئام. فأمّا اختلاف الألسنة والألوان واختلاف الطباع والأخلاق واختلاف المواهب والاستعدادات فتنوّع لايقتضي النزاع والشقاق، بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات. وليس للّون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان اللّه. إنّما هناك ميزان واحد تتّحد به القيم، ويعرف به فضل الناس: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ». والكريم حقّا هو الكريم عند اللّه، وهو يزنكم عن علم وخبرة بالقيم والموازين. «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ».
[١] - الزمر ١٧: ٣٩- ١٨.