التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٣ - عبادات الإسلام
وقلق، ويلزمه أن يدرس الدوافع التي تتحفّز في نفسه بكلّ عناية وحذر. إنّه يجعله أن لايثق في قوّته الشخصية، بل يعتمد على عون اللّه في الصراع الذي ينشب بين الخير والشرّ في نفسه «لاحول وَلاقُوَّةَ إلّا بِاللّه» «بِحَول اللّه وَقُوَّته أقُومُ وَأقْعُد» كلام يقوله متكرّرا في صلاته اليومية.
هكذا جاء القرآن بهكذا مفاهيم رقيقة، هي منسجمة مع فطرة الإنسان وذهنيّته عن الدين وعن شريعة السماء.
لقد كانت مفاهيم سائر الأديان- التي كانت رائجة ودارجة عهد نزول القرآن- والفروض التي نشأت عنها خالية من كلّ معقولية تجعلها قابلة للتطبيق، كما وأنّها ناقصة الاطّلاع والإحاطة بطبيعة البشر وذات فطرته الاولى، فأدّى بها ذلك إلى أن تضمّ بين جوانحها كثيرا من حماس الحالمين وغموضهم. وكان من ذلك أن بقيت تلك المفاهيم وفروضها عديمة الجدوى في تجارب الحياة العادية وممارستها.
وإنّها لقاعدهسليمة، تلكالتي تقول: إنّالطبيعة العملية في دينٍ مّا، وتأثيره الدائم على العلاقات العامّة بين البشر وشؤون الحياة اليوميّة، وقدرته على السيطرة على الجماهير، كلّ ذلك هو المحك الصحيح للحكم فيما إذا كان ذلك الدين عالميّا أم لا، الأمر الذي لانجده فيأيّ دين من الأديان الراهنة سوى الدين الإسلامي، حسبما جاءبه القرآنالكريم.
انظر إلى هذه التعابير الرقيقة التي جاءت في القرآن- وكم لها من نظير- تنسجم مع روح المثالية والإنسانية العليا في البشرية:
«وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً. وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِياماً. وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً. إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَ مُقاماً. وَ الَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً. وَ الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَ لا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً. يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً. إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. وَ مَنْ تابَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً. وَ الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ