التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٩ - ٣ - غيب المستقبل
وقال بشأن الوليد بنالمغيرة:[١]
«ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً. وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً. وَ بَنِينَ شُهُوداً. وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً. ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ. كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً. سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً. إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَ بَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ. فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ».[٢]
وبشأن أبيجهل:[٣]
«أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْداً إِذا صَلَّى. أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى. أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى. أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى. أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى. كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ. ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ. فَلْيَدْعُ نادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ».[٤]
فلو لم يكن ذلك من علّام الغيوب- المحيط بالماضي والحال والمستقبل- لما صحّ ذلك في ما أخبر به. بل لما كان من عاقل البشر أن يضع مصير دعوته على شيء معيّن يحتمل خلافه. فلو كان آمن واحد من هؤلاء الثلاثة الذين دمغهم القرآن بالكفر والشقاق المخلّد ذكره في زمرة الأشقياء لانطفأت شعلة الإسلام وقامت الحجّة على القرآن ومن
[١] - هو الوليد بنالمغيرة المخزومي من أشراف قريش وقضاتها في الجاهليّة ومن الأثرياء. أعلن العداوة للدعوة الإسلاميّة، وهلك كافرا قبل الهجرة بعام. هو والد خالد بنالوليد بطل المعركة يوم احد.
قال الإمام الرازي: أجمعوا على أنّ المراد هاهنا: الوليد بنالمغيرة ... راجع: التفسير الكبير، ج ٣٠، ص ١٩٨.
[٢] - المدّثّر ١١: ٧٤- ٢٦.
[٣] - هو أبوجهل بنهشام، قتل في واقعة بدر مذموما. كان من أعدى أعداء الإسلام، مهرّجا مستهترا وقيحا.
قال ابنإسحاق: لمّا نزلت الآية:« أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ، إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ...» الصافّات ٦١: ٣٧- ٦٢.
فقد أهاجت من غلواء المشركين وجعلتهم حيارى مندهشين. فعمد أبوجهل- على عادته- يحاول تهدئة هياجهم المبرّح، قائلًا: يا معشر قريش، أو تدرون ما هي شجرة الزقّوم، إنّها عجوة يثرب بالزبد. فواللّه لئن استمكنّا منها، لنتزقّمنّها تزقّما التزقّم: الابتلاع. قالها مستهزءا لهياجهم الثائر.
قيل: فنزلت:« إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ...». الدخان ٤٣: ٤٤- ٤٩.
فما أبرها من معجزة، دامغة في حينها وجارية مع الطغاة أبدا.
[٤] - العلق ٩: ٩٦- ١٨.